ظلموه حيا وميتا

فهمي هويدي
فهمي هويدي

آخر تحديث: الأحد 26 سبتمبر 2010 - 10:09 ص بتوقيت القاهرة

  يوم الأحد الماضى (19/9) نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا مستفيضا عن الدكتور محمد فتحى عثمان، الذى وافاه الأجل عن 82 عاما فى لوس انجيلوس، واعتبرته أحد أهم علامات تجديد الفكر الإسلامى فى القرن العشرين. وقبل ذلك (فى 15/9) نشرت صحيفة لوس انجيلوس تايمز، مقالا آخر وصفت فيه الدكتور عثمان بأنه أكثر العلماء تأثيرا فى العالم الإسلامى، وذكرت أنه نموذج فذ لعلماء المسلمين الذين ينطلقون من رؤية ليبرالية وإنسانية عميقة، تستند إلى تعاليم الإسلام ونهجه، ومنذ ذاع خبر وفاته فى 11/9 فإن ما لا حصر له من المواقع الإلكترونية الآسيوية والغربية لم تتوقف عن رثائه والإشادة بدوره التنويرى الكبير. لكنه لم يشر إليه بخبر واحد فى بلده مصر. صحيح أنه استقر فى الولايات المتحدة منذ ثلاثين عاما تقريبا (فى عام 1978)، وعمل هناك دارسا وباحثا وأستاذا فى جامعة برينستون إلا أنه حينذاك كان فى الخمسين من عمره، وكان قد قطع شوطا مهما من رحلته الفكرية، حيث اتسمت كتاباته بالجرأة فى خوض آفاق الاجتهاد والتجديد، كما اتسمت مواقفه وآراؤه بالسماحة وسعة الأفق والانحياز الشديد للعقل ولقيم الحرية والديمقراطية والمساواة، منطلقا فى كل ذلك من فهمه العميق للإسلام.

حين انتقل إلى الولايات المتحدة كان الدكتور فتحى عثمان قد اثبت حضوره فى مصر والعالم العربى. كان قد حصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة فى التاريخ وأخرى فى القانون. وعمل أستاذا فى جامعة الأزهر وفى المملكة العربية السعودية والجزائر. وأصدر نحو 25 كتابا، أهمها وأبرزها مؤلفه «الفكر الإسلامى والتطور»، الذى صدر فى بداية الستينيات (كان أول ما قرأته له) وعالج فيه عديدا من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بجسارة لم تكن مألوفة آنذاك. وإلى جانب اللغط الذى أثاره آنذاك فى الأوساط الإسلامية، أصدر أحدهم ردا عليه فى كتاب كان عنوانه: «الفكر الإسلامى والثبات».

قبل أن يستقر فى الولايات المتحدة كان قد قضى بضع سنوات فى لندن رئيسا لتحرير مجلة «ارابيا» وكنت نائبا له فيها، ولأنها كانت تصدر بالإنجليزية فقد صارت الجسر الذى أوصله إلى مجتمعات المسلمين وغير المسلمين فى آسيا وأفريقيا فضلا عن العالم الغربى بطبيعة الحال. الأمر الذى أدى إلى توسيع دائرة تأثيره ومن ثم مضاعفة قرائه وتلاميذه ومحبيه. وهو الدور الذى تعزز بمضى الوقت، حين استمر يكتب بالإنجليزية، حيث أصدر فى الولايات المتحدة نحو 15 كتابا، انطلق فيها من موقعه كمجتهد ومجدد وقارئ عصرى للقرآن تتصدر تلك المجموعة ثلاثة كتب أهمها مؤلف كبير فى ألف صفحة عن مفاهيم القرآن والتصنيف الموضوعى لآياته. كتابه الثانى عن «الآخر» من وجهة النظر الإسلامية. أما الكتاب الثالث فهو تحت الطبع وموضوعه الأساسى هو «الثابت والمتحول فى الجهاد والحدود»، وتلك الكتب التى أصدرها إلى جانب محاضراته وأبحاثه الأخرى حفرت له مكانا بارزا بين كبار المثقفين المسلمين فى الولايات المتحدة، واحاطته بهالة من التقدير والاحترام الشديدين من جانب المثقفين والاكاديميين الغربيين.

يدهش المرء كيف ان عالما مصريا (من أبناء محافظة المنيا) يتمتع بذلك الثقل وتلك القامة. يتجاهله بلده فيضن عليه بأى جائزة تقدره فى حياته ويبخل عليه الإعلام بكلمة ترثيه بعد مماته صحيح إيضا أنه ظل عازفا عن الأضواء، ومكتفيا بدوره كمفكر وكاتب، إلا أنه ظل حريصا على أن يبقى صاحب مدرسة وليس عضوا فى شلة أو عازفا فى جوقة، وصحيح أيضا أنه غاب عن مصر نحو ثلاثة عقود، إلا أن حضوره فى العقل الإسلامى ظل يتزايد حينا بعد حين ودوره التنويرى لم يتوقف يوما ما.

لو أنه كان نافرا من الإسلام وداعيا إلى تفكيكه والتشكيك فى تعاليمه، لصفق له دعاة «التنوير الزائف» ولانهالت عليه الأوسمة والجوائز وقصائد المديح من الكارهين المتنفذين، لكن لأنه ظل قابضا على جمر إيمانه ومعتزا بدينه بحسبانه سبيلا إلى النهوض والتقدم، فقد ظلم حيا وميتا حسبه أنه لقى ربه راضيا مرضيا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved