ترامب يقوض فرصه الانتخابية

علاء الحديدي
علاء الحديدي

آخر تحديث: الإثنين 26 أغسطس 2019 - 10:45 م بتوقيت القاهرة

يستعد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من الآن لخوض انتخابات الرئاسة فى شهر نوفمبر من العام القادم للفوز بفترة رئاسية ثانية. وكانت جميع المؤشرات حتى وقت قريب تشى بارتفاع فرص الرئيس الحالى فى إعادة انتخابه اعتمادا على الأداء الاقتصادى القوى والذى يمثل الركيزة الأساسية لنجاح أى رئيس لإعادة انتخابه. إلا أن بعض التصريحات والسياسات الأخيرة لترامب قد ألقت بظلال من الشك على قدرته هو وأنصاره فى الحفاظ على الفرص التى كانت متاحة لهم للفوز فى الانتخابات القادمة.
يأتى على رأس هذه السياسات إقدام ترامب على شن حرب تجارية ضد الصين، متجاهلا تحذيرات معظم الخبراء الاقتصاديين من مغبة هذه الحرب على الاقتصاد الأمريكى. حقيقة أن الاقتصاد الأمريكى ما زال قويا بجميع المقاييس سواء من حيث النمو أو انخفاض مستوى البطالة أو ارتفاع البورصة إلى مستويات غير مسبوقة. ورغم استمرار نفس وتيرة معدل نمو الاقتصاد والتى تبلغ ٣، ١٪ فى الربع الأول من العام الحالى، إلا أن القراءة المدققة لأرقام النمو تكشف عن تباطؤ ملحوظ فى القطاع الصناعى عن المستويات السابقة. كما أن أرقام العمالة والأجور لم تعد ترتفع بنفس الوتيرة السابقة. وقد عزا المحللون ذلك إلى المخاوف من الحرب التجارية التى بدأها ترامب مع الصين وأدت إلى عزوف الكثير من الشركات والمستثمرين عن التوسع أو زيادة الإنتاج انتظارا لما ستسفر عنه هذه الحرب التجارية، ناهيك عن خسائر البعض وخاصة من المزارعين نتيجة لانخفاض الصادرات إلى الصين رغم وعود ترامب السابقة بسرعة حسم هذه المواجهة الاقتصادية مع بكين ولصالح واشنطن فى وقت قصير. يفاقم هذا الوضع بدء الحديث عن أن هذه الحرب قد تطول أكثر مما كان متوقعا وامتدادها إلى ما بعد الانتخابات القادمة، وهو ما بدأ معه القلق يساور العديد من رجال المال والأعمال. وقد انعكس ذلك على سوق السندات حيث انخفضت الفائدة على السندات طويلة الأجل وارتفعت على السندات قصيرة الأجل حتى أصبح الاثنان متساويين وفى بعض الأحيان أصبحت السندات قصيرة الأجل أكثر ارتفاعا من السندات طويلة الأجل. وهو ما يعنى عدم الثقة فى مستقبل هذا الاقتصاد، ويؤشر لركود قادم.
بدأت هذه المؤشرات الاقتصادية تثير قلق ترامب الذى بدأ فى التراجع عن وعوده السابقة وبعض الخطوات التى اتخذها والبحث عن كبش فداء. وكان أول مظاهر هذا التراجع، إرجاء فرض بعض الرسوم والتعريفات الجمركية على العديد من السلع الصينية التى كان من المفترض أن تبدأ فى الأول من سبتمبر القادم إلى ما بعد موسم الإجازات والتبضع. وهو ما يعد اعترافا ضمنيا بأن حربه
التجارية هذه ضد الصين ستضيف إلى أعباء المستهلك الأمريكى قيمة هذه الرسوم الجمركية، وهو ما كان ينفيه من قبل. وفى إشارة أخرى على تزايد قلق ترامب من شبح الركود الاقتصادى، بدأ فى توجيه اللوم إلى رئيس المجلس الاحتياطى الفيدرالى (أى البنك المركزى) الذى اختاره لما تشهده السوق والبورصة من اضطراب وتراجع. ويعزو ترامب هذا لرفض الاحتياطى الفيدرالى تخفيض سعر الفائدة المنخفض أصلا إلى معدل أكثر انخفاضا.
هذا، وكأن ترامب لم يكتفِ بالحرب التجارية الخارجية مع الصين، وقرر شن حرب سياسية داخلية على الأمريكيين من ذوى الأصول غير الأوروبية البيضاء. وذلك حين دعا أربع نائبات فى مجلس النواب من الحزب الديمقراطى بالعودة إلى بلادهن وذلك بسبب قيامهن بانتقاده. النائبات الأربعة هن؛ النائبة إلهان عمر مهاجرة من أصول صومالية، النائبة رشيدة طليب من أصول فلسطينية،
النائبة أليكساندريا أوكاسيو من أصول لاتينية، النائبة أيانا بريسلى من أصول إفريقية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث ردد الحضور فى أحد مؤتمرات ترامب الانتخابية الصيحات بـ«عودوا إلى بلادكن». كان لهذه التصريحات والشعارات التى قيلت مردود سلبى على الأقليات بصفة عامة والتى أعادت إلى الصدارة موضوع العلاقة بين مختلف الأعراق والأجناس فى مجتمع لم يتعافَ بعد من مظاهر التمييز العنصرى ضد السود التى كانت سائدة حتى وقت قريب. ثم جاءت حادثة إطلاق النار الأخيرة على يد متطرف أبيض فى مدينة أل باسو بولاية تكساس التى راح ضحيتها حوالى ٢٠ قتيلا غالبتهم من أصول مكسيكية لتدعم أسوأ المخاوف لدى الكثير من الأمريكيين حول نمو الحركات العنصرية البيضاء تحت حكم ترامب.
تواكب مع هذه المذبحة حادث إطلاق نار آخر قبله فى ولاية أوهايو أسفر بدوره عن مصرع ١١ شخصا، لتكتسب الحركات والحملات الداعية إلى تقييد بيع واقتناء السلاح زخما جديدا. وهو ما يصطدم مع أحد القواعد الانتخابية المهمة للحزب الجمهورى والرئيس ترامب، وهم أعضاء الجمعية الوطنية للسلاح NRA الذين يعدون بالملايين ومن خلفهم لوبى السلاح الضخم بتجارتهم التى تقدر بالمليارات. الأمر الذى أصاب ترامب بالارتباك حيث صرح مرة بأهمية العمل على تشديد الرقابة على اقتناء السلاح امتصاصا لغضب المواطنين، ثم ليتراجع إلى مواقف تعكس وجهة نظر لوبى السلاح. ولكن أخطر ما فى هذا الموضوع أن قضية الإرهاب الأبيض من قبل العنصريين والقوميين البيض أصبحت تتداخل مع قضية تقييد حمل السلاح التى يؤيدها الكثير من المواطنين البيض.
وعليه، فإن ترامب الذى كان يعول على الحفاظ على قاعدته الانتخابية والتى حملته إلى البيت الأبيض فى انتخابات نوفمبر ٢٠١٦، أصبح عليه الآن مواجهة بعض الشقوق والتصدعات فى هذه القاعدة خاصة بين المزارعين وعمال الصناعة الذين تضرروا من حربه التجارية مع الصين وبدأت الشكوك تساورهم حول سياسات ترامب هذه دون وجود مؤشرات على قرب انتهاء هذا الصراع. كما أن خطاب ترامب الشعبوى ضد المهاجرين مثل الهجوم على النائبات الأربع والعمل على دغدعة مشاعر الناخبين البيض واستهدافهم بتصريحات تنم عن مضامين عنصرية قد أدت إلى استثارة العديد من الناخبين وتصميمهم على المشاركة فى الانتخابات القادمة أيا كانت صفة المرشح الديمقراطى الذى سيتم الاستقرار عليه. وهو ما يأمل الحزب الديمقراطى فى استثماره والبناء عليه وتكرار فوز باراك أوباما الديمقراطى على جون ماكين الجمهورى بأكثر من تسعة ملايين صوت. ويذهب أصحاب هذا الرأى داخل الحزب الديمقراطى إلى أن ترامب كسب الانتخابات الرئاسية السابقة بفضل النظام الانتخابى الأمريكى رغم خسارته الأصوات الشعبية بثلاثة ملايين صوت لصالح هيلارى كلينتون، وعليه يأمل الديمقراطيون فى حشد الناخبين الذين لم يصوتوا فى الانتخابات الرئاسية السابقة وصولا إلى نسبة مشاركة عالية تكون فى صالحهم، معولين فى ذلك على أن يتسبب ترامب بسياساته وتصريحاته هذه فى إسقاط نفسه بنفسه، فهل يحقق أمنيتهم؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved