قبل أن يصبح خنفس باشا بطلًا قوميًا

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الخميس 26 مارس 2015 - 10:40 ص بتوقيت القاهرة

بينما كانت البلاد مشغولة بمؤتمرها الاقتصادى الدولى فى شرم الشيخ، وفى غفلة من الزمان والعباد، خرجت علينا وزارة التربية والتعليم بقائمة محذوفات من مقرر اللغة العربية فى كل سنوات الدراسة تقريبا، تحت شعار «محاربة العنف والتطرف». وإذا كان غض النظر عما تم حذفه غير ممكن لأن بعضه يمثل جريمة وطنية كبرى، فإننا نبدأ بالقول إن فكرة التدخل فى المقررات الدراسية بالحذف أو الإضافة مع اقتراب العام الدراسى من نهايته، وعدم الانتظار حتى ينتهى العام لكى تراجع الوزارة المناهج فتحذف منها وتضيف إليها مع بداية عام دراسى جديد، يعنى أننا أمام وزير غير مؤتمن على جوهر العملية التعليمية من الأساس.
وتكتمل الكوميديا السوداء التى وضعنا أمامها وزير التعليم قبل مرور شهر على توليه الوزارة عندما نكتشف أن بعضا مما تم حذفه تمت دراسته بالفعل، بل وامتحن فيه التلاميذ فى امتحان نصف الفصل الدراسى، كما أن يد الحذف امتدت إلى فصول من قصة عقبة بن نافع المقررة على الصف الأول الإعدادى دون اعتبار لفكرة التسلسل الدرامى أو البناء المنطقى للقصة. وقيل إن الفصول المحذوفة التى تتحدث عن عبقرية عقبة العسكرية وعودته للقيادة بعد عزله وفتوحاته فى المغرب العربى تحرض على العنف والتطرف.
ثم امتدت يد الحذف إلى موضوع صلاح الدين الأيوبى المقرر على الصف الخامس الابتدائى، ناهيك على حذف موضوعات تمجد قيمة الثورة على الظلم، والاتحاد فى مواجهة الأعداء المستبدين مثل «ثورة العصافير» و«نهاية الصقور» و«القوة والحيلة».
وأخشى أن يمتد بنا حبل الخطايا التى ترتكب باسم محاربة التطرف والإرهاب وهى كثيرة، إلى تمجيد الخونة الذين سلموا البلاد للمحتلين والمستبدين دون مقاومة مثل أمين أغا حاكم الإسكندرية التى سلمها دون قتال للغزاة الإنجليز فى حملة فريزر عام 1807 وخنفس باشا الذى خان جيش أحمد عرابى وفتح الطريق أمام الجيش البريطانى عام 1882 باعتبارهم دعاة السلمية، ويصبح محمد كريم الذى اختار التصدى للحملة الفرنسية فى الإسكندرية وعمر مكرم الذى تصدى لها فى القاهرة ومعهما جمال عبدالناصر صاحب مقولة «ما أخذ بالقوة لايسترد إلا بالقوة» من دعاة فوضى وعنف.
القضية تتجاوز حدود العبث بالمناهج الدراسية دون منطق، وما يمكن أن يؤدى إليه ذلك من تشويه واضطراب فى تفكير الأجيال المقبلة، التى إن لم تجد ضالتها فيما تدرسه فى مؤسسات التعليم الرسمية ستبحث عنه فى مصادر أخرى باتت متاحة بلا حدود، وساعتها ستكون الطامة الكبرى.
وهنا نسأل: هل يتنكر الإنجليز لقادتهم الذين غزوا دول العالم الثالث وأذاقوها الهوان لإخضاعها للتاج البريطانى، أم يعتبرونهم أبطالا قوميين؟ هل شطب الإنجليز تاريخ القاتل اللورد كرومر أم يعتبرونه جزءا من تاريخ الإمبراطورية البريطانية؟ هل يخجل الفرنسيون من تاريخ الغازى نابليون بونابرت وجرائمه فى مصر أثناء الحملة الفرنسية أم يعتبرونه رمزا لمجد فرنسا؟
الصمت على ما جرى خيانة، والاستسلام لكل الخطايا التى ترتكب تحت شعار «مصر تحارب الإرهاب» خيانة أكبر، الرغبة فى إخراج أجيال لاتعرف الثورة والمطالبة بالحقوق من أجل ضمان استقرار نظام الحكم، خيانة أكبر فى حق الوطن ونظام الحكم نفسه. التنكر للتاريخ ولأبطاله الذين استخدموا القوة العسكرية بما يتفق مع طبائع عصرهم جريمة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved