25 يناير.. يومان فى التاريخ

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الأحد 26 يناير 2020 - 11:05 م بتوقيت القاهرة

بفارق زمنى يقارب الستة عقود شهدت مصر يومين ملهمين فى تاريخها الحديث لا يصح اصطناع التناقض بينهما بأية ذريعة.
الأول – (25) يناير (1952)، وقد أسس بالتداعيات لتغيير البيئة السياسية بالكامل وفتح المجال واسعا لإطاحة النظام الملكى وجلاء قوات الاحتلال البريطانية.
والثانى – (25) يناير (2011)، وقد عبر بالثورة عن عمق التطلع للالتحاق بالعصر وبناء دولة حديثة، مدنية وديمقراطية وعادلة، كما عبر بالغضب عن مدى ما يعانيه المصريون من تهميش اجتماعى وتفشى للفساد وهدر للأموال العامة.
فى اليوم الأول، تصدى ضباط وجنود الشرطة فى الاسماعيلية بأسلحة بدائية لقوات الاحتلال البريطانى رافضين تسليم مواقعهم.
أفضت الواقعة بما حملته من استهانة بريطانية وما عبّرت عنه من شجاعة مقاومة إلى إضراب عام باليوم التالى فى العاصمة لـ«بلوكات النظام».
تداعت الأحداث بعده إلى حرائق فى قلبها.
كان حريق القاهرة فى (٢٦) يناير (١٩٥٢) إنذارًا أخيرًا بأن كل ما فوق المسرح السياسى يوشك على الانهيار.
أفلت النظام العام وسادت الفوضى وعمليات النهب والتخريب.
فرضت الطوارئ ونزل الجيش ـ لأول مرة فى التاريخ المصرى الحديث ـ لاستعادة السيطرة وفرض الهدوء على المدينة المروعة.
حتى الآن لا توجد إجابة لها صفة الفصل على سؤال: من حرق القاهرة؟
الأقرب إلى الحقيقة أن مخزون الغضب وجد انفجاره فى إضراب «بلوكات النظام» ـ كأنه عود ثقاب ألقى على أرض مشبعة بالوقود.
إثر حريق القاهرة شاعت فى الأجواء العامة قصيدتان.
أولاهما ـ للشاعر «إسماعيل الحبروك»:
«سأنام حتى لا أرى.. وطنى يُباع ويُشترى»
وثانيتهما ـ للشاعر «مأمون الشناوى» دعا فيها الجيش بلا مواربة إلى إطاحة النظام الملكى:
«غضبة من عزمك الجبار تمحو كل باطل».
فى نفس التوقيت فكر «الضباط الأحرار» باستغلال نزول الجيش إلى الشوارع للقيام بانقلاب عسكرى، لكن «جمال عبدالناصر» مال إلى كسب بعض الوقت، حتى يستكمل هذا العمل فرص نجاحه.
لم تكن إطاحة النظام الملكى حدثًا مفاجئًا قفز من خارج سياق الحوادث، أو بعمل سرى محض جرى فى الظلام.
هكذا كانت معركة الاسماعيلية نقطة تحول جوهرية برسائلها وتداعياتها فى معادلات السياسة المصرية.
أعطت بالشجاعة الفائقة رسالة إلى المستقبل، أن تحدى غطرسة المحتل ممكن، الصمود ممكن، إجبار العدو على احترامك ممكن، أن مصر يمكنها أن تقول كلمة أخرى.
كان عام (١٩٥١) مشحونًا بإشارات النهاية.
كتب «إحسان عبدالقدوس« فى «روزاليوسف» ـ (٨) مايو ـ مقالًا عنوانه «دولة الفشل».
جاء فيه بالحرف الواحد: «إننا فى مصر نؤمن بالفشل ونعبد الفاشلين.. الفشل فى كل مكان.. وأمام كل خطوة ووراء كل زعيم، وفى حنايا كل ملف وفى ظلام كل درج وفى طيات كل صوت.. والفاشلون هم الذين يحكمون مصر، وهم الذين يسوقونها من فشل إلى فشل ثم إلى فشل جديد».
أخطر ما فى هذا المقال ما كتبه عن وزير الحربية، فهو «فاشل.. فشل حتى فى الاحتفاظ باختصاصه وترك الجيش يخرج من بين يدى الحكومة والشعب، ليكون هيئة كهنوتية لها أسرارها، ولها سلطانها، ولها استقلالها، ولها قائد فاشل».
كان ذلك تلميحًا إلى أن هناك شيئًا قد يحدث من داخل الجيش لإنهاء دولة الفشل.
ولم يكن منعزلا عما يحدث فى منطقة قناة السويس من أعمال فدائية تستهدف معسكرات الاحتلال البريطانى، وقد كان «الضباط الأحرار» فى قلب الحدث بالتدريب والتسليح طلبا للجلاء والاستقلال.
لكل حدث جوهرى مقدمات تومئ إليه، وقد كانت معركة الإسماعيلية أحد العناوين الكبرى للوطنية المصرية فى تلك اللحظة الحاسمة من تاريخنا الحديث.
فى اليوم الثانى، اكتسب (25) يناير (2011) صفة الثورة من أعداده المليونية ومن طلب التغيير الشامل ومما ألهمه من آمال كبرى فى الانتقال إلى عصر جديد.
الذاكرة لا يمكن محوها وأثر الثورة يستحيل حذفه.
هذه حقيقة نهائية الصدام معها فيه خسارة للمستقبل.
أسوأ نظر إلى ثورة «يناير» وضعها على تناقض مع بطولة الإسماعيلية فى اليوم نفسه قبل (59) سنة.
نقد التجاوز الأمنى شىء وإنكار فعل المقاومة شىء آخر تماما.
اتخذ (25) يناير عيدا للشرطة، وكان ذلك تكريما للجهاز الأمنى منسوبا إلى معركة كبرياء وطنى.
ذلك المعنى لا يجب أن يضيع وسط أجواء الانقسام الحاد فى المواقف والمشاعر.
بذات القدر فإن من يحاولون الاستهانة بطلب التغيير فى (25) يناير (2011) بنفى صفة الثورة عنها، كأنها مؤامرة استهدفت الدولة، يرتكبون خطأ أفدح فى فهم معنى ما حدث.
لا توجد دولة فى العالم تستغنى عن أمنها، غير أن ذلك ليس تصريحا بالتجاوز والتغول على حقوق وكرامات المواطنين.
لم تكن «يناير» أول ثورة تُختطف، أو تُجهض، فقد لقيت ثورات أخرى المصير ذاته دون أن تفقد قدرتها على الإلهام حتى حققت أهدافها بعد رحلة معاناة طويلة ومؤلمة.
هذه حقيقة ماثلة حتى اليوم بنصوص الدستور، كما فى ذاكرة الأجيال الجديدة التى ترى نفسها فى الثورة ومشاهدها الملهمة.
فى «يناير» جرى توسيع مجال المشاركة السياسية إلى حدود غير مسبوقة تحت ضغط المليونيات ووسائل الاتصال الحديثة، وطرحت قضية العدالة الاجتماعية بصورة جديدة على رأى عام لم يعد يتقبل أو يستسيغ تنكيل السلطات بالمواطنين وإهدار الكرامة الإنسانية.
الإنجازات الفعلية ليست كبيرة بالنظر إلى حجم التضحيات التى بُذلت، لكن شيئًا ما تحرك فى عمق المجتمع يصعب أن يعود مرة أخرى إلى المربع رقم واحد.
أحد أسباب السهولة النسبية التى اختطفت بها «يناير» أنها لم تدرك موقعها فى التاريخ المصرى، ولا تراكم خبرة ثوراتها.
تراجيديا الثورات المصرية ـ بالآمال العريضة التى تسقط من حالق ـ لم يمنع فى أى وقت اتصال فعل الحركة الوطنية جيلا بعد آخر للتصحيح وتعلم الدروس، وهذا ما يجب أن نتذكره دوما.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved