قبل أن تدهمنا فتنة أكبر

فهمي هويدي
فهمي هويدي

آخر تحديث: الثلاثاء 26 يناير 2010 - 10:16 ص بتوقيت القاهرة

 ما بال أقوام يحسبون أنه لا سبيل إلى إطفاء نار الفتنة الطائفية فى مصر إلا بإضعاف الهوية الإسلامية للبلد، الأمر الذى يغدو نوعا من الشطط الذى يستبدل فتنة بأخرى أكبر منها وأشد خطرا.

ــ1ــ
حين وقعت الواقعة فى نجع حمادى وروعنا جميعا بسببها، حذرت من تدخلات المتعصبين والمزايدين والمتربصين، وتمنيت عليهم أن يخدموا الوطن فى أثناء الأزمة بسكوتهم وامتناعهم عن التحريض وتأجيج المشاعر وتوسيع الحريق. لكن ذلك لم يحدث للأسف، وإنما، وجدنا تنافسا بين عناصر الفئات الثلاث على تحقيق أكبر عدد من أهدافهم وسط المعمعة.

وبدا أن القاسم المشترك الأعظم فى مسعاهم هو تهميش حضور الإسلام فى إدراك الجماهير فضلا عن المجال العام. فى مسعى يكاد يكون تمثلا لحالة الرجل الذى يقول المثل العامى إنه أراد أن «يكحلها فأعماها» عن عمد وسبق إصرار.

آخر ما يخطر على البال إذ يظن بى أننى أدعو إلى التهوين مما جرى، لأن ما أتمناه حقا ألا نبالغ فى رد الفعل، بحيث نعطى الموضوع حقه بغير زيادة أو نقصان، كما أننى أرجو ألا يزايد على أحد فى تأصيل حق الأقباط كمواطنين وشركاء فى المصير.

وقد سجلت موقفى هذا فى كتابى «مواطنون لا ذميون»، الذى طبع منذ نحو ربع قرن «عام 1985»، وعلقت بعض فصوله فى الكنائس المصرية آنذاك، ولعل كثيرين يذكرون مقالتى التى منع «الأهرام» نشرها فى عام 1995، ودعوت فيها إلى انتخاب كل الأقباط الذين ترشحوا لعضوية مجلس الشعب وقتذاك.

وكانت المقالة ردا على دعوة مرشح الحزب الوطنى عن دائرة حى الظاهر بالقاهرة، إلى عدم التصويت لمرشح حزب الوفد منير فخرى عبدالنور، لأنه قبطى، ولا يتسع المجال لاستعراض كتابات أخری سجلت فيها موقفى إزاء الموضوع، خصوصا أن تلك الكتابات متوفرة فى أى أرشيف له صلة به.

إننى أخشى أن نكرر خطيئة الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، حين بالغ فى رد الفعل، وأعلنها حربا مفتوحة على «الإرهاب». وتصور أن بمقدوره إعادة تشكيل العقل الإسلامى من جديد. فدعت إدارته إلى تغيير مناهج التعليم وتجديد الخطاب الدينى وأخضعت منظمات المجتمع المدنى الإسلامية للرقابة والتفتيش، ولم يكتف بمعاقبة الذين ارتكبوا الحادث ومن ورائهم. ثم كانت النتيجة فشلا على كل الجبهات.

فلا هو قضى على الإرهاب، ولا غير من عقول المسلمين وثقافتهم، وإنما أشاع بينهم درجات متفاوتة من البغض والكراهية للولايات المتحدة وسياساتها، حتى أصبحت إحدى مشكلات خلفه أن يحسن من صورة بلاده فى العالم الإسلامى.

ما يحدث فى مصر الآن شىء قريب من هذا. ذلك أن التعامل مع الجريمة البشعة التى وقعت فى نجع حمادى لا يريد له البعض أن يكتفى بمعاقبة الجناة ومن وراءهم، وتحرى الأسباب الحقيقية التى دعتهم إلى ارتكاب الجريمة، وإجراء حوار جاد حول مصادر التعصب ومطالب الأقباط، ولكن أولئك البعض، الذين هم خليط من الفئات الثلاث سابقة الذكر. نقلوا المناقشة إلى مستوى آخر، استهدف الهوية الإسلامية لمصر.

فدعوا إلى إضعاف تلك الهوية، ومنهم من تحدث بصراحة عن طمس تلك الهوية ومحوها تماما. وكما أن بعض الناشطين الإسلامين رفعوا شعار الإسلام هو الحل، فإن أصحابنا هؤلاء رفعوا شعارا ملغوما مضادا قالوا فيه إن الإسلام هو المشكلة.

ــ2ــ
حتى أكون أكثر تحديدا فإننى أفرق بين دائرتين للحوار، الأولى تتصل بمطالب الأقباط وحقوقهم كمواطنين فى البلد، والثانية تتعلق بالخطوط الحمراء التى ينبغى الوقوف عندها حفاظا على مقومات المجتمع ودفاعا عن السلم الأهلى، وقبل التطرق إلى المطالب فإننى ألفت النظر إلى أن الاستجابة لها لا علاقة لها بعدد الأقباط فى مصر ونسبتهم المئوية بين السكان. ولذلك فإننى لا أجد مبررا للمبالغة أو المزايدة فى هذا الباب.

وهى ملاحظة عنت لى حين لاحظت أن بعض المثقفين وبعض المسئولين أيضا يتحدثون عن أن الأقباط يمثلون 10٪ من سكانها.

وتلك معلومة تدهش خبراء الإحصاء فى مصر الذين يقطعون بأن تلك النسبة لا تتجاوز 6٪ فى أحسن فروضها. ويستندون فى ذلك إلى مؤشرات 13 إحصاء تمت فى مصر منذ بدأت فى عام 1897، فى ظل الاحتلال البريطانى لمصر.

وبعض تلك الإحصاءات أشرف عليها الإنجليز، وبعضها شارك نفر من الأقباط فى إجرائها (رئيس الإحصاء فى تعداد عام 1937 كان حنين بك حنين وفى إحصاء عام 1976 كان المسئول عن التعداد فى الوجه البحرى قبطى آخر هو السيد موريس حنا غبريال، وكيل الوزارة بالجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء).

وفى كل تلك الإحصاءات التى تمت خلال 113 عاما لم تتغير النسبة التى أشرت إليها، إلا فى حدود هوامش بسيطة للغاية تقل عن نصف فى المائة ولذلك فليس هناك مبرر منطقى للمزايدة والقفز بالنسبة إلى 10٪ أو أكثر، لأنهم لو كانوا واحدا فى المائة فحقهم فى المواطنة والمساواة مكفول ولا ينبغى أن ينتقص منه.

إن المطالب الخاصة بإصدار قانون موحد لدور العبادة، والمساوة فى الوظائف العامة، ووقف القدح فى المعتقدات الدينية، وتجريم أى تمييز أو تحقير ينال أى مواطن بسبب معتقده الدينى، وغير ذلك من المطالب التى تتعلق بحقوق المواطنة ومقتضيات المساواة، هذه كلها أمور مشروعة، وليس هناك أى مبرر للتقاعس فى الاستجابة لها. ولا أفهم مثلا لماذا تأخر إصدار القانون الموحد لدور العبادة طوال أربعين عاما.

ذلك أنه من مصلحة الجميع أن تخضع عملية بناء دور العبادة لقواعد واحدة، تمكن كل المتدينين من أداء شعائرهم، وليت التوحيد لا يقتصر على شروط البناء، وإنما يشمل أيضا مجمل الظروف التى تعمل فى ظلها تلك الدور. وهو ما قد يمكن المساجد من الإفادة من الحريات المتاحة للكنائس، سواء فى عدم تقييد مواعيد الفتح والإغلاق أو رفع يد وزارة الداخلية عن الوعاظ فيها، إلى جانب التسامح مع ما تمارسه من أنشطة اجتماعية وثقافية وخيرية.
ــ3ــ
هل لابد لإنصاف الأقباط إضعاف الإسلام ومطاردة مظاهره فى مصر؟ وهل هذا ممكن من الناحية العملية؟ وما تأثير هذه الدعوة على السلم الأهلى والتعايش المفترض بين المسلمين والأقباط؟

وهل يصبح الأقباط فى أمان فى هذه الحالة؟ وبعد الانسحاب من العروبة تطبيقا لشعار مصر أولا وأخيرا، ماذا يبقى من مصر إذا طمس الإسلام فيها وصار بدوره «محظورا»؟
هذه أسئلة من وحى الكتابات التى نشرها نفر من «المصريين الجدد» مؤخرا، وأزعم أنها ألقت بذور فتنة أخرى نسأل الله أن يجنبنا شرورها، وحتى لا يظن أحد أننى أبالغ فيما سألت عنه، فإننى سأكتفى بالإشارة إلى بعض الأفكار والعناوين التى نشرتها الصحف المصرية فى الآونة الأخيرة، فقد كتب أحد القيادات الثقافية فى ثنايا مقال عن «مواجهة ثقافة التخلف» أن ظاهرة التدين فى مصر وصلت إلى معدلاتها الخطرة، وأن الظاهرة فى مجملها تهدد المجتمع المدنى، لا فرق فى ذلك بين معتدلين ومتطرفين.

وقالت ناقدة أدبية إن المشكلة ليست فى تأويل النص (القرآنى) ولكنها فى النص ذاته. وأخذ ثالث على ثورة يوليو أنها أنشأت المؤتمر الإسلامى ومجمع البحوث الإسلامية. وذلك أدى إلى إطلاق يد المتطرفين، مما أدى إلى إنهيار أركان النهضة فى مصر وتراجع ثقافتها لتحل محلها ثقافة التطرف والخرافة والانحطاط.

ودعا أحد الكتاب إلى إلغاء تدريس مادة التربية الدينية فى المدارس. واحتجت إحدى الكاتبات على الاستشهاد بالنصوص الإسلامية فى حث التلاميذ على الالتزام بالفضائل والقيم. وقالت إن الإشارات إلى الصدق أو الشجاعة أو البر بالوالدين فى كتب المدارس ليس لها مرجعية أخلاقية أو وطنية، وإنما تعزز اعتمادا على نصوص إسلامية. واعتبرت أن تدريس النصوص التى تحث المسلمين على أى فعل حميد يغرس التفرقة بينهم وبين الأقباط، ونشرت إحدى الصحف قائمة بوصايا عشر للقضاء على الفتنة الطائفية اقترحها استاذ جامعى.

من هذه الوصايا نزع الملصاقات الدينية من حوائط الدواوين الحكومية، ومنع إقامة الصلوات فى أماكن العمل، مع إلغاء منحة التأخير للأقباط يوم الأحد. منها أيضا منع أى نشاط اجتماعى لدور العبادة، وتسليم المستوصفات ودور الحضانة والمسلمين إلى الحكومة لتدار دون أن تكون لها أى هوية دينية.

منها كذلك منع نشر أى فتاوى دينية فى وسائل الإعلام التابعة للحكومة، وإلغاء الصفحات الدينية، والتوسع فى إقامة نوادى الشباب ومنع ممارسة أى نشاط دينى بها... إلخ.
إلى جانب كل إلغاء لحضور الدين أو مظهر له فى المجتمع فثمة اتفاق بين هؤلاء جميعا وأمثالهم على المطالبة بإلغاء المادة الثانية للدستور، التى تنص على أن دين الدولة الرسمى هو الإسلام وأن مبادىء الشريعة تعد المصدر الرسمى للتشريع فى مصر، وهو المبدأ المستقر فى الدستور المصری منذ عام 1923، وظل مكانه ثابتا فى كل الدساتير اللاحقة التى صدرت طوال الـ28 عاما التالية، لا يستثنى من ذلك إلا دستور 1958 الذى صدر فى عهد الوحدة بين مصر وسوريا (المستشار طارق البشرى اعتبر أن وجود المادة الثانية بصيغتها الحاضرة يحقق الاسناد الشرعى الإسلامى لمبدأ المساواة التامة بين المسلمين والأقباط فى جميع المجالات، بمعنى أنها توفر مرجعية إسلامية لكل المبادئ الواردة بالدستور المتعلقة بالمواطنة والمساواة).

ــ4ــ
سألت بعض المخضرمين فى العمل السياسى: لماذا لم تطل الفتنة الطائفية برأسها فى المرحلة الناصرية، ولماذا استشرت فى المرحلتين التاليتين، اللتين تنسبان إلى الرئيسين السادات ومبارك؟ ولماذا لم تتحقق الوحدة الوطنية المنشودة رغم أن قانونا صدر لحمايتها فى عام 1972؟ فى ردهم قالوا إن وجود حكومة قوية فى عهد الرئيس عبدالناصر، توفرت لها رؤية استراتيجية واضحة، ومشروع وطنى جامع.

هذان العاملان، كانا على رأس الأسباب التى شكلت بيئة سياسية لم تسمح بظهور الفتنة الطائفية.(قال لى السيد سامى شرف مدير مكتب الرئيس عبدالناصر أنه بتوجيه من الرئيس كان يجتمع يوم الاثنين من كل أسبوع مع الانبا صمويل، أحد أساقفة الكنيسة، للتفاهم حول مختلف الأمور العالقة بين المسلمين والأقباط).

وحين لم تتوفر تلك البيئة فى المرحلتين التاليتين فإن الرئيس السادات حاول أن يستعيض عنها بالإجراءات، التى تمثلت فى قانون الوحدة الوطنية.

هذا التحليل إذا صح فإنه يعنى أن حصر البحث عن حلول للمشكلة فى حدود توجيه المطالب واللجوء إلى الإجراءات الحكومية لا يكفى لوأد الفتنة وإطفاء نارها. إنما يتعين أيضا النظر إلى البيئة السياسية الراهنة، التى افتقدت إلى الرؤية الاستراتيجية الواضحة والمشروع الوطنى المعبر عن طموحات الجماهير وأشواقها، مما أسلم المجتمع إلى تيه أوصل الناس إلى ما وصلوا إليه الآن من تفكيك وتخبط. وهذه هى الفتنة الكبرى التى لا يريد أحد أن يتحدث فيها، لأن ذلك ينقل الحوار من مستوى السجال الطائفى إلى أفق النقد السياسى. وهى حدود عندها يتوقف الكلام المباح.


هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved