محمد والمسيح.. احتفالات بمولدهما دون اتباعهما

ناجح إبراهيم
ناجح إبراهيم

آخر تحديث: الجمعة 25 ديسمبر 2020 - 8:10 م بتوقيت القاهرة

من لا يعرف الحب لن يستطيع أن يكتب عن المسيح عليه السلام، فهو صاحب هتاف «الله محبة» فلن يعرف الله ويعبده حقا إلا إذا كان محبا للكون وللناس والحجر والأرض والسماء، حتى أعدائه وخصومه لا يكرههم بل يريد لهم الخير والهداية والعافية.
ومن لا يعرف الحب والعفو والصفح لن يعرف الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم» الذى كان شعار دينه «السلام عليكم» وهتف دوما «لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا» ورفض أن يدعو على ثقيف التى قتلت أصحابه «اللهم اهد ثقيفا» ورفض أن يدعو على قومه الذين سبوه وشتموه وآذوه وحاولوا قتله فقال «اللهم اهدِ قومى فإنهم لا يعلمون» وحينما تمكن منهم لم يعذبهم كما عذبوه ولم يقتلهم كما قتلوا أصحابه بل قال «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
من لا تعرف الرحمة قلبه فهو لن يعرف المسيح أو محمد عليهما السلام، ومن تشرب قلبه بالقسوة والجحود وكأنه صخر أصم فهو لم يعش بقلبه وجوارحه مع هتاف المسيح بن مريم «طوبى للرحماء لأنهم يرحمون» ولم تفهم مشاعره وجوارحه هتاف النبى محمد «الراحمون يرحمهم الرحمن» وشعاره «ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء».
ومن لم تتشرب نفسه الصفاء ونقاء السريرة وحسن الطوية فلم يتشرب من معين نبوة محمد والمسيح عليهما السلام، فالمسيح يردد «طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله» والنبى محمد يقول: «المكر والخديعة فى النار» فاللئام وأهل المكر والخديعة لن يكون لهم نصيب من رسالة النبيين الكريمين.
الإحسان فوق العدل وأسمى منه، ويعنى أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وهو مسلك الصديقين والعباد والزهاد والصوفية العظام، ومن لم تتشرب نفسه الإحسان ويسمو بها فوق درجة العدل تعب فى الحياة وأتعب من حوله.
من لم يفهم الإحسان وتدركه بصيرته لم يدرك مغزى دعوة محمد والمسيح عليهما السلام، فكلاهما جاء لنبذل الوردة لمن جرحنا بالشوكة، ونعطى البسمة لمن عبس فى وجوهنا ونزرع الأمل حتى لمن جرحنا بالألم.
هذا المسيح يردد على مسامع الكون «من طلب ثوبك أعطه الرداء، وإن جاع عدوك أطعمه، وإن عطش اسقه وإن كان عريانا فاكسه وإن كان بلا مأوى فآوه» وهذا النبى محمد يعدد وصايا ربه له «أن أعفو عمن ظلمنى وأعطى من حرمنى وأصل من قطعنى وأن يكون نطقى ذكرا وصمتى فكرا» وربه يأمره «فَاصْفَحِ الصَفْحَ الْجَمِيلَ» أى الذى لا عتاب بعده، وأمره بالصبر الجميل الذى لا شكوى فيه.
إن كل من يؤجج الصراعات والنزاعات العرقية والطائفية والمذهبية ويشعل الحروب ويريق الدماء سعيا وراء سلطة كاذبة أو جاه خداع لم يعرف حقيقة رسالة المسيح الذى بشر صناع السلام «طوبى لصانعى السلام لأنهم أبناء الله يدعون» ولأن النبى محمد «ص» جعل هتافه للبشرية جمعاء «أفشوا السلام بينكم» وكان يردد «أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام».
إن كل من يتكبر فى الأرض أو يستبد فيها أو يستعبد الناس ويذلهم ويهينهم ويتعالى على الخلق ويستطيل عليهم ليس من المسيح أو محمد عليهما السلام فى شىء، فالمسيح كان يحض على التواضع وخفض الجناح بقوله «طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض، وطوبى للحزانى لأنهم يتعزون يوم القيامة» أما النبى محمد فكان يقول: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» و«إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم» وكان يعيش بقلبه مع أمر ربه «فَأَمَا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَر/ وَأَمَا السَائِلَ فَلَا تَنْهَرْ».
وكل الذين يرفضون المصالحات الوطنية التى تحقن الدماء وتزيل العداوات وتجهض الكراهية أولئك لم يسمعوا يوما هتاف المسيح قبل أن يودع الدنيا «طوبى للمصلحين بين الناس أولئك المقربون يوم القيامة» وهتاف القرآن «والصلح خير» على التعميم «خير فى الدنيا» أو فى الآخرة أو فى كليهما، أو خير للطرفين، معانٍ لا حصر لها، يرفضها كل الذين يؤججون الصراعات بين المسلمين والمسيحيين تارة وبين الإسلاميين وحكوماتهم أخرى أو بين السنة والشيعة، «الصلح خير» هتاف القرآن العظيم الذى يريد البعض تكذيبه بوقاحة وحماقة.
وكأن محمد والمسيح يعيشون زماننا المشحون بالنفاق والمملوء بالمنافقين، منافقو اليوم أحط بكثير من منافقى الأمس، وهؤلاء وبخهم المسيح بقوله «يا عبيد الدنيا مثلكم مثل القبور المشيدة تعجب الناظر مظهرها وداخلها عظام الموتى مملوءة بالخطايا».
وحذر منهم النبى محمد «صلى الله عليه وسلم» وتجدون شر الناس ذا الوجهين، آه يا سيدى منافقو اليوم بألف وجه ووجه، يرتدون لكل عصر وجها، يشتمون ويسيئون ويلعنون، يخلعون أقنعتهم ويغيرون جلودهم أكثر مما يغيرون ملابسهم وأحذيتهم.
الذين يشركون بالله أو يقتلون أو يزنون أو يسرقون.. ليسوا من المسيح فى شىء فقد أوصانا لا تكن لله آلهة أخرى لا تقتل ولا تزنى ولا تسرق، وهذا هتاف القرآن «وَالَذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَهِ إِلَها آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَفْسَ الَتِى حَرَمَ اللَهُ إِلاَ بِالْحَقِ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاما».
هكذا عشنا مع محمد والمسيح عليهما السلام لندرك مآسينا الحقيقية وأننا لسنا على شىء من رسالتيهما، ولو كانت للذنوب رائحة ما طاق أحد أن يعيش مع آخر.
سلام عليكم معاشر الأنبياء، وسلام على عيسى ومحمد فى الأولين والآخرين وإلى يوم الدين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved