يخربون المستقبل أيضًا

فهمي هويدي
فهمي هويدي

آخر تحديث: السبت 25 أبريل 2009 - 8:47 م بتوقيت القاهرة

 نحن لا نكف عن تخريب التعليم وتدمير الأجيال الجديدة. هذه كارثة لا ريب، تتضاعف عدة مرات حين نرى بأعيننا شواهد التخريب، ثم لا نلقى لها بالا، وبمضى الوقت نعتاد عليها ونتعايش معها، بحيث نظل نتردى من هاوية إلى أخرى ونحن مغيبون وذاهلون.

ليس فى هذا الذى ذكرته خبر جديد، على الأقل بالنسبة للمهتمين بشأن التعليم فى بلادنا. وهذه كارثة أخرى. لكننى لا أريد أن أصدق أن يستمر عرض مسلسل الجرائم التى ترتكب بحق التعليم دون أن يحرك ذلك ساكنا أو يستفز أحدا من المهتمين بأمر هذا البلد.

لقد باتت وقائع تلك الجرائم تصدمنا بين الحين والآخر، وأحدثها ما نشرته صحيفة الأهرام أخيرا بخصوص بدعة «المراكز التعليمية» التى تجسد مرحلة ما بعد الدروس الخصوصية. وإذا كانت البدعتان تشتركان فى أنهما من نماذج التعليم الموازى، الذى نشأ فى ظل فشل التعليم الحكومى وسوء سمعته، إلا أنهما تختلفان فى الهدف. إذ حتى الآن، على الأقل، فالدروس الخصوصية تستهدف تقوية التلاميذ، وتمكنهم من تحصيل الدورس بطريقة أفضل، لكى يفوزوا فى نهاية العام بدرجات أعلى ومجاميع مرتفعة. أما المراكز التعليمية فشأنها مختلف. إذ حسب التقرير المنشور فى 13/4، الذى أعده زميلنا وجيه الصقار فإنها أصبحت ساحة لغواية التلاميذ وإفسادهم، وتدميرهم ليس علميا فقط، وإنما خلقيا أيضا. إذ حسب التقرير المنشور، الذى اعتمد على شهادات لبعض أولياء الأمور ومديرى المدارس الحكومية، فإن تلك المراكز تجمع المراهقين والمراهقات فى فصول بدعوى إعطائهم دروسا خصوصية، ولكن هذه اللقاءات تتيح لهم فرص التعارف وإقامة علاقات غرامية تقود إلى انحرافات متعددة. خصوصا أن بعض تلك المراكز «التعليمية» تعرض على المراهقين والمراهقات أفلاما فاضحة وكليبات إباحية فى أوقات تمتد أحيانا إلى منتصف الليل. فى حين يظن الأهل أن أبناءهم وبناتهم يسهرون على تحصيل الدروس، التى يدفعون للمدرسين دم قلبهم لتغطية مصاريفها. فإن أولئك المراهقين يكونون محلقين فى عوالم أخرى لا علاقة لها بالعلم أو التعليم، ولا تسأل عن التربية.

فى التقرير معلومات أخرى مثيرة ومدهشة تفضح تلك المراكز التى تحصل على تراخيص باعتبارها كتاتيب لتحفيظ القرآن أو مكاتب لتعليم الكمبيوتر أو غير ذلك من الأنشطة العلمية، وكما يحدث فى الأراضى التى تباع للاستصلاح والاستزراع، ثم تتحول إلى منتجعات وفيللات للأكابر فى غفلة من الحكومة، فإن التراخيص التى تصدر تحول الكتاتيب إلى صالات للهو وعرض الأفلام الهابطة.

لا أعرف حجم هذه المراكز المدمرة، ولكن الذى أعرفه أن ثقة الناس أصبحت معدومة فى التعليم الحكومى، إلى الحد الذى يوقعهم فى شباك تلك الفئات المنسوبة إلى التعليم زورا وبهتانا. أعرف أيضا أن هذا الكلام منذ نشر يوم 13 أبريل الحالى، لم يكترث به أحد ولم يعلق عليه أحد من مسئولى وزارة التربية والتعليم، لا تصويبا ولا تكذيبا. أعرف أيضا أن العبث بالتعليم هو تخريب المستقبل. ولست أنسى فى هذا الصدد ما ذكره تقرير لإنقاذ التعليم قرع الأجراس بقوة وهو ينبه إلى خطورة هذه المهمة، حتى قال الخبراء الذين وضعوه إن التعليم أهم جبهات الدفاع عن الأمن القومى، متقدما فى ذلك على الجيش والصناعة. كما قالوا إنه لو قامت قوة معادية بفرض نظام تعليمى متدنى الأداء، لكان ذلك مدعاة لإعلان الحرب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved