فقه الأولويات!

سامح فوزي
سامح فوزي

آخر تحديث: الثلاثاء 25 فبراير 2020 - 8:30 م بتوقيت القاهرة

أعتقد أن هناك ما ينبغى أن يؤرق المجتمع المصرى أكثر من الملابسات التى أحاطت بمباراة القمة التى لم تتم بين الأهلى والزمالك، وانشغل بها الإعلام فضائيا وإلكترونيا ومكتوبا، لا أريد الخوض فيما حدث، ولاسيما أنه جاء بعد أيام من صورة مؤسفة بكل المقاييس غلبت على مباراة بين الفريقين فى دولة الإمارات، وتركت ظلالا سلبية، امتدت إلى الدوائر العامة فى دولة وثيقة الصلة بمصر، لكن ما أريد التوقف أمامه هو «فقه الأولويات» فى المجتمع، وهذا ليس تقليلا من شأن الساحرة المستديرة، ولا جاذبية مباراة القمة بين ناديين كبيرين.
هناك فارق بين أن نشغل الناس بقضايا، وبين أن ينشغل الناس بقضايا، قد نكثف الإعلام حول موضوع يشغل تفكير وأحاديث الناس، وعادة ما يكون موضوعا ساخنا، لكنه لا يتصل بمفردات حياتهم اليومية، وعلى الجانب الآخر قد نطرح قضايا مهمة، نلفت نظر الناس إليها، وينشغلون بالتفكير فيها، وعادة ما تكون جادة، ملحة، مهمة، تتصل بواقعهم، وربما مستقبلهم، الفارق بين الأمرين ثقافى وسياسى بامتياز يتعلق بالنظرة العامة للمواطن، ودوره فى المجتمع. النظرة الأولى، التى تشغل الناس بقضايا ليست أساسية، تنظر إلى ذهن المواطن بوصفه وعاء فارغا يحتاج إلى من يملؤه، ويشغله، أما النظرة الثانية فهى تنظر إلى المواطن على أنه شخص قانونى مسئول، له حقوق وعليه واجبات، ينبغى أن يفكر فى حاضره ومستقبله من منطلق المسئولية، والمشاركة فى الحياة العامة.
أظن أن مصر تحتاج إلى النظرة الثانية للمواطن، أى دفع المواطن على طريق الانشغال بقضايا مهمة، وليست النظرة الأولى التى تميل إلى إلهاء المواطن ــ عن قصد أو بدون قصد ــ بقضايا فرعية، يكثر حولها الكلام، ولا ينتج عنها طحين. هناك قضايا تتعلق بالتنمية، والبناء، وتطوير السياسات العامة، ومواجهة المشكلات اليومية، والاهتمام بالتعليم، والثقافة والفن والذوق الرفيع، هذه ينبغى أن تكون محل اهتمام وانشغال من المواطن، وهو ما يجعل الإعلام يقف إلى جوار القيادة السياسية التى تريد أن يعرف المجتمع حقيقة الأوضاع، ويتحمل كل مواطن مسئوليته تجاه ما يجرى حوله. لا أظن أن المشروعات التنموية، وحركة التعمير، والبنية التحتية التى تحدث فى مصر الآن تأخذ حقها من الاهتمام الإعلامى مثلما تحظى قضايا هامشية باهتمام وتركيز، نعم الإعلام يهتم بما يهتم به الناس، ولكن أيضا عليه مسئولية مهنية وأخلاقية أن يخلق انشغالا حقيقيا، غير مصطنع لدى الجمهور العام، يرقى بذوقه، ويحثه على الاهتمام بموضوعات جادة. والدليل على ذلك، إذا سألت المواطن العادى عن المشروعات الكبرى قد لا تجد عنده معلومات كافية مثلما تجده يتحدث عن مطربى المهرجانات أو خناقات الملاعب أو الملاسنات بين قيادات الأندية، قد تجد من يقول إن هذه الموضوعات تفرض نفسها، ولكن أين الموضوعات التى يفرضها الإعلام على أجندة المواطن الذى يحتاج إلى من يطلعه على ما يجرى حوله، ويرفع من مستوى الشفافية، ويواجه الدعاية المضادة التى تصيبه بالإحباط؟
أعتقد أن للإعلام مسئولية، ينبغى أن يتحملها، فهو ليس ناقلا محايدا، لكنه صانع خبر ورأى وتوجه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved