أكاذيب التطبيع

طلعت إسماعيل
طلعت إسماعيل

آخر تحديث: الإثنين 24 أغسطس 2020 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

أكثر من أربعة عقود مضت على زيارة الرئيس أنور السادات المشئومة إلى إسرائيل فى 19 نوفمبر 1977، وما تلاها من مفاوضات فى كامب ديفيد، قبل توقيعه مع مناحيم بيجن، رئيس الوزراء الإسرائيلى وقتها، ما يسمى بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية داخل حديقة البيت الأبيض فى 26 مارس 1979، برعاية الرئيس الأمريكى جيمى كارتر، وهى الاتفاقية التى جرى تسويقها على أنها ستجلب المن والسلوى إلى المصريين، لكن واقع الحال يتحدث عن نفسه.
اليوم يجرى استخدام نفس الأكاذيب لترويج الاتفاق الإماراتى للتطبيع مع إسرائيل، باعتباره مفتاحا للاستقرار فى الشرق الاوسط، وفاتحة لازدهار اقتصادى سيعم الربوع العربية من الخليج إلى المحيط، فقد «جاءتكم إسرائيل لتقود المنطقة إلى آفاق العيش الرغيد، فقط قدموا لها أموالكم، والأيدى العاملة الرخيصة، ودعو لها شأن العقول»، وهو الحلم الذى يداعب القادة الإسرائيليين على مدى عقود.
لكن هل يمكن لمثل تلك الأوهام أن تتحقق؟، وهل يمكن أن يعم السلام أو الاستقرار مع استمرار قوات الاحتلال الإسرائيل فى التنكيل بالفلسطينيين ليل نهار، وهل يمكن للعرب مسلمين ومسيحيين أن يتدفقوا لزيارة القدس المحتلة والأماكن المقدسة عبر أبوظبى كما يتوهم كبير مستشارى ترامب، وزوج ابنته، جاريد كوشنر؟
من واقع الخبرة التاريخية، وبعد أكثر من أربعين عاما على العلاقات الرسمية بين مصر وإسرائيل ماذا جرى فى المنطقة؟ احتلت إسرئيل أول عاصمة عربية عندما غزت لبنان عام 1982، وأجبر الفلسطينيون على الانتقال إلى تونس حيث لاحق الموساد الإسرائيل قادة منظمة التحرير بالاغتيال والتصفية، قبل أن تعاود الحرب على لبنان فى 2006، ثم جاءت الانتفاضتان الفلسطينيتان فى عامى 1987 و2000، ردا طبيعا على فشل أوهام السلام المزعوم.
وإذا نظرنا لما دار فى المنطقة العربية بعد ذلك، وإسرائيل ليست ببعيدة عما يجرى طبعا، سنجد عراقا مدمرا، وسوريا تتناهشها ذئاب الإرهاب من دواعش وغيرهم، بدعم تركى وأمريكى، وصراعا أمميا غربيا وإقليميا على النفط الليبى، الذى يسيل له لعاب الجميع، لا يهم هنا أن تكون كل نقطة نفط مسروقة مقابل إراقة برميل دم ليبى عبر حرب أهلية تأتى على الأخضر واليابس.
الاقتصاديات العربية التى دمرتها الحروب فى المشرق العربى ومغربه الليبى ستحتاج إلى عشرات السنين ربما لتعويض الخسائر الهائلة، فهل نأمل من وراء التطبيع مع الإسرائيليين المتورطين فى خراب المنطقة، أى أمل فى ازدهار مزعوم، أو رواج اقتصادى مأمول؟!
يدرك الإسرائيليون، قبل غيرهم، أنهم يسوقون بضاعة فاسدة وإن روج لها حليف أمريكى ينحاز بشكل سافر لتل أبيب، ويضغط بقوة لتحقيق مصالحها، لا يهم هنا أن تكون على حساب الفلسطينيين خاصة أو العرب عامة، وسجل البيت الأبيض، زاخرا بالمواقف المنحازة التى لا يتجاهلها إلا كاذب أو مضلل.
وعلى الرغم من كل المحاولات الإسرائيلية لاختراق الشارع العربى عبر التطبيع، لم تحصد فى مصر على سبيل المثال إلا «سلاما باردا»، ومقاطعة شعبية صلدة، عدا بعض تفلتات منبوذة شعبيا، ولا يجرؤ زائر إسرائيلى واحد على الإفصاح عن هويته فى شوارع القاهرة أو الإسكندرية، ولا يمكنه الاقتراب من نقابة مهنية، أو عمالية، أو حتى قهوة بلدية، فباب التطبيع موصد، ولا تزال إسرائيل عدوا فى الضمير المصرى.
وفى ظل سعى إسرائيل وحليفها الأمريكى إلى سحب أقدام دول خليجية أخرى وفى مقدمتها السعودية إلى لعبة التطبيع، وتطوع بلدان عربية أخرى للرقص فى الركب، هل يستجيب ابناء الخليج على المستوى الشعبى للتطبيع الرسمى، أم تكون لهم كلمة أخرى؟ هذا هو الرهان!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved