العلاقات الباكستانية السعودية: نهاية عصر التقارب


مواقع عالمية

آخر تحديث: الإثنين 23 نوفمبر 2020 - 9:25 م بتوقيت القاهرة

نشر موقع Eurasia Review مقالا للكاتب Raza Shahani، يحاول فيه تفسير سبب توتر العلاقات الباكستانية السعودية وهل هى وليدة اللحظة أم نتيجة تراكمات... نعرض منه ما يلى:

جاءت الضربة المدمرة للعلاقات الباكستانية ــ السعودية عندما قطعت المملكة العربية السعودية حدود جيلجيت بالتستان وكشمير من الحدود الباكستانية الموضحة فى خريطة العالم المطبوعة على ظهر الورقة النقدية فئة 20 ريالا التى أصدرتها المملكة العربية السعودية احتفالا برئاستها لتنظيم قمة «مجموعة العشرين» فى الفترة من 21 إلى 22 نوفمبر 2020. وقبل ذلك، هدد شاه محمود قريشى، وزير الخارجية الباكستانى، المملكة العربية السعودية بأنها إذا لم تثر قضية كشمير فى منظمة التعاون الإسلامى، فإن باكستان ستنضم إلى كتلة أخرى. كتلة أخرى تعنى الكتلة التى تقودها الصين، والتى تحتل فيها إيران ــ الدولة المناهضة للسعودية ــ مكانة بارزة.
لم تستطع الرياض تجاهل هذا التصريح «المناهض للدبلوماسية» لوزير الخارجية الباكستانى، وردت بمطالبة باكستان بسداد مبلغ مليار دولار أمريكى قدمته لها المملكة العربية السعودية لدعم احتياطيها من النقد الأجنبى. ولإنقاذ حالة التدهور هذه، غادر قمر جاويد باجوا، رئيس أركان الجيش الباكستانى، إلى الرياض. لكن ولى العهد الأمير محمد بن سليمان البالغ من العمر 30 عاما ــ الملك الفعلى للمملكة العربية السعودية ــ رفض الاستماع إلى رئيس الدولة الإسلامية الوحيدة التى تمتلك أسلحة نووية. فكانت هذه إهانة، لقائد الجيش القوى، لا يمكن إصلاحها.
والسؤال الآن هو لماذا ابتعد البلدان الشقيقان عن بعضهما البعض؟ هل كان تصريح قريشى غير المرغوب فيه مسئولا عن كل هذه العداوات المفاجئة بين البلدين أم أن الأسباب كانت تتراكم منذ فترة طويلة؟ هل ستعود العلاقات فى يوم من الأيام إلى نفس الحماس أو على الأقل إلى طبيعتها؟ تحتاج الإجابات على هذه الأسئلة إلى وصف عميق وتحليل وتقييم لأسباب ومدى تدهور العلاقات.

لماذا ابتعدت السعودية عن باكستان؟
كانت المملكة العربية السعودية وباكستان دولتين شقيقتين تاريخيا. والأهم من ذلك، أن السعودية استثمرت قدرا كبيرا من التمويل فى برنامج الأسلحة النووية الباكستانى وفى قطاع الدفاع العام. كان لدى المملكة العربية السعودية نية لمواجهة إيران وجميع التهديدات الأخرى بالأسلحة النووية الباكستانية وجهازها الدفاعى. والسؤال المطروح الآن هو لماذا ابتعدت السعودية عن باكستان النووية، صاحبة أحد الجيوش القوية فى العالم؟ للإجابة على هذا السؤال علينا تقييم أهمية الأسلحة النووية للمملكة العربية السعودية.
أولا، فى الواقع، لم تختف التهديدات لمصالح المملكة العربية السعودية، لكن السعودية توصلت إلى نتيجة مفادها أنها لا تحتاج إلى أسلحة نووية قبل فترة طويلة من حدوث قطع مفاجئ لعلاقاتها مع باكستان. كان على المملكة العربية السعودية السنية مواجهة وكلاء إيران الشيعية فى الشرق الأوسط، خاصة بعد الربيع العربى. والحرب فى الشرق الأوسط، فى واقع الأمر، هى «حرب شوارع» بين وكلاء الطائفيتين المسلمتين. لذلك، فى هذا الوضع المعقد للغاية، فإن السلاح الخفيف مثل كلاشينكوف، Gــ3، AKــ47، وما إلى ذلك، هى أسلحة أكثر فعالية من سلاح الجو والمدفعية وأى سلاح آخر شبيه بالآلات الثقيلة، وبالتأكيد الأمر يشمل الأسلحة النووية.
ثانيا، باكستان تنفق 2.5 مليار دولار أمريكى سنويا على صيانة ترسانتها النووية، وفقا لمبادرة التهديد النووى. لكن هذه الترسانة الكاملة لا يمكن أن تساعدها فى القضاء على الجماعات المتطرفة والتمرد العرقى. وبالتالى، فى حالة الحرب الأهلية، فإن الأسلحة المدمرة للغاية مثل الأسلحة النووية غير مجدية. علاوة على ذلك، حتى لو نجحت إيران فى بناء أسلحة نووية، فلن تستخدمها أبدا ضد السعودية بسبب وجود الحرمين الشريفين على أراضيها. لذلك، ترى المملكة العربية السعودية أنه من الأفضل الاستثمار فى الأسلحة الآلية الخفيفة بدلا من الأسلحة النووية. من ناحية أخرى، وفيما يتعلق بالأسلحة الخفيفة الآلية ورقمنة الأمن، وجدت المملكة العربية السعودية، إلى جانب الدول العربية السنية الأخرى، مساعدا جديداــ إسرائيل.
أخيرا، وعلى الرغم من نشر نحو ثلاثين ألفا باكستانى متقاعد وأفراد فى الخدمة لحراسة النظام الملكى السنى العربى فى البحرين، وهى دولة ذات أغلبية شيعية، رفضت باكستان طلب الرياض المشاركة فى الحرب فى اليمن. قبل ذلك، لا بد أن المملكة العربية السعودية قد صدمت عندما وجدت أن تاجر الأسلحة النووية الباكستانى الدكتور عبدالقادر خان يصدر المعرفة والمواد النووية إلى إيران. كما أن المملكة العربية السعودية لا يمكن أن تتسامح مع مصادقة باكستان مع أردوغان لتركيا، وهى عثرة أخيرة وليس آخرا فى العلاقات بين البلدين. وهكذا، فإن الحماقة الدبلوماسية التى ارتكبها قريشى كانت مجرد القشة التى قصمت ظهر البعير.

لماذا ابتعدت باكستان عن السعودية؟

كانت باكستان بحاجة إلى المملكة العربية السعودية للدعم السياسى/ الدبلوماسى والمال والنفط. عندما انفصلت باكستان عام 1971، كان العالم الإسلامى، وخاصة الملك فيصل، هو من ساعد باكستان على استعادة الثقة. فقامت المملكة العربية السعودية بتمكين وتسهيل باكستان لاستضافة قمة منظمة المؤتمر الإسلامى فى لاهور، باكستان فى عام 1974. بالإضافة إلى ذلك، مولت المملكة العربية السعودية النقد الباكستانى واستوردت العمالة الباكستانية غير الماهرة بالملايين. كما تلقت باكستان تحويلات وفيرة من السعودية ودول إسلامية أخرى، والتى كانت تسمى Gulf Bonanza. وأخيرا، ساعدت المملكة العربية السعودية باكستان فى إنشاء أجهزتها النووية وتبسيطها.
ومع ذلك، فإن المملكة العربية السعودية اليوم، ليست المملكة العربية السعودية التى اعتادت أن تكون لباكستان. فالاقتصاد السعودى ليس قويا كما كان فى الماضى. كما أن بن سليمان ليس الملك فيصل لباكستان. فالأمير لديه رؤيته الاقتصادية الخاصة لتحويل الاقتصاد من تصدير النفط إلى بعض مصادر الدخل الأخرى. إنه لا يعطى التبرعات وإمدادات النفط العمياء لباكستان.
من ناحية أخرى، وجدت باكستان فى الصين الدعم السياسى/ الدبلوماسى والمال، خاصة فيما يتعلق بقضية كشمير. فالصين تتمتع بحق الفيتو فى الأمم المتحدة. وبالتالى ستساعد باكستان دبلوماسيا أكثر مما تستطيع السعودية.

هل يمكن أن تعود العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها مرة أخرى؟

احتاجت المملكة العربية السعودية إلى باكستان لأغراض أمنية. وعندما لم تتحقق هذه الأغراض، تركت السعودية باكستان. وبالمثل، احتاجت باكستان إلى المملكة العربية السعودية لأغراض سياسية/ دبلوماسية ومالية. لكن عندما وجدت باكستان الصين، تركت باكستان السعودية.
بصرف النظر عن كل الاختلافات فى المصالح المذكورة أعلاه، فى نظام التحالف الدولى، تقع باكستان فى مدى النفوذ الصينى، بينما تقع السعودية فى مدى النفوذ الأمريكى. علاوة على ذلك، تقع إيران أيضا فى تحالف الصين، وإسرائيل فى التحالف الذى تقوده الولايات المتحدة. ومع ذلك، يمكن لكلا البلدين الحفاظ على الود، لكن العامل الإيرانى أكثر إثارة للانقسام من أى عامل آخر.
فى الماضى، كان هناك الكثير من الخلافات بين إيران وباكستان، لكن البلدين أدركا الآن أنهما بحاجة إلى الصداقة. فلباكستان أعداء على حدودها الشرقية والشمالية الغربية. لذلك، لا يمكنها تحمل عدو آخر على حدودها الآمنة الوحيدة (الحدود الإيرانية الباكستانية). إيران أيضا فى نفس الوضع إلى حد ما. لذا فهى ترغب فى جار ودود على حدودها الشرقية.
أيضا، هناك مشكلة فى كل من بلوشستان فى باكستان وسيستان بلوشستان فى إيران. حيث شنت جماعة جند الله لعبدالملك ريجى فى حركة أنصار إيران وجيش العدل فى إيران وجيش تحرير بلوشستان، هجمات على الجيش الباكستانى والقوات شبه العسكرية. وبالتالى، يحتاج كلا البلدين إلى الوحدة لمواجهة التهديد العرقى القومى للبلوش. إن تكثيف تمرد البلوش الممتد عبر الحدود الباكستانية الإيرانية سيبقى البلدين ملتصقين إلى الأبد. لذلك، الآن ليس للمملكة العربية السعودية مكان مع باكستان.
ختاما، فى العلاقات الدولية، لم تكن الصداقة والعداء دائمتين. يمكن أن تعود العلاقات الطبيعية أو حتى الود فى العلاقات بين باكستان والمملكة العربية السعودية، لكن من الصعب استعادة التقارب القديم.
إعداد: ياسمين عبداللطيف زرد

النص الأصلى:

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved