العودة إلى معسكر داود

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: السبت 23 مايو 2015 - 8:27 ص بتوقيت القاهرة

بعد انتصار أكتوبر 1973 بدأ السادات يتحدث عن أن 99 % من أوراق اللعبة بين يدى الولايات المتحدة الأمريكية وهكذا بدأ يمهد لمبادرته لزيارة إسرائيل والتى أعقبها دعوة رئيس أمريكا جيمى كارترفى ذلك الوقت الرئيس المصرى أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلى مناحم بيجن إلى كامب ديفيد. وفوجئنا بالرؤساء العرب على بكرة أبيهم بقيادة صدام حسين ما عدا واحد فقط (غالبا كان سلطان عمان) يقطعون العلاقات مع مصر وينقلون الجامعة العربية إلى تونس ويتحدثون عن فخ «معسكر أو إسطبل داود»، وكان من نتيجة المبادرة معاهدة سلام مع مصر عادت بموجبها كل الأراضى المصرية وتم فتح قناة السويس، وأصبح السادات بطل الحرب والسلام.

صحيح ما أخذته مصر لم يكن بطموح الشعب المصرى وما أعقب ذلك من الإنفتاح سداح مداح دمر الاقتصاد المصرى والقيم المصرية وقامت الجماعات الإسلامية باغتيال السادات، وجاء مبارك للحكم ولأن ليس له رؤية السادات صار موظفا برتبة رئيس جمهورية لدى أمريكا وإسرائيل. إلا أن الأردن سيرا على خطى مصر عقدت معاهدة سلام مع إسرائيل وكذلك فلسطين وكانت معارضة العرب لتصرف السادات منصبة على أن أمريكا لا تملك 99 % من أوراق اللعبة، وكانت نتيجة انقسام العرب وتشرذمهم أن أصبحت إسرائيل القوة الأولى فى الشرق الاوسط، واليوم أصبحت إيران هى القوة الثانية. والعرب جميعا ما زالوا يعيشون فى قصة الـ99 % ما عدا الرئيس السيسى، الذى أعاد الكرامة لمصر بمواقفه تجاه رفض أمريكا لثورة 30 يونيو وتأييدها للإخوان وأعاد سيناء حقيقة وليس على أوراق كامب ديفيد، فالجيش بمعداته الثقيلة يسيطر الآن على سيناء.

•••

ترى أمريكا منذ زمن أن المستقبل لإيران وتركيا فى شرق أوسط كبير يضمهما مع إسرائيل، لكن إيران سبقت تركيا فى ذلك السباق بسبب حنكتها السياسية وقدراتها العسكرية وسقوط العرب فى الفوضى الخلاقة والربيع العربى والتطرف الدينى مما أدى إلى ضعفهم وتراجعهم.

واليوم يريد أوباما بعد عدة اخفاقات لسياساته دخول التاريخ من بوابة الاتفاق النووى مع إيران ليختتم رئاسته بها، فى الوقت ذاته يدرك أن العرب بتكوينهم لن يستطيعوا الاستغناء عن أمريكا بما ترسخ فى وجدانهم – خطأ – على مدى الخمس حقب السابقة. وكانت أمريكا قد وضعت خطتها منذ سنوات حيث لم تثر أية متاعب ضد ايران وهى تتعامل مع الصين وروسيا وكأنه لا توجد عليها عقوبات دولية، ثم انسحبت أمريكا من العراق لتترك لإيران الحبل على الغارب لتحكم البلاد والعباد، وفى سوريا تراجع اوباما عن إسقاط الأسد فقامت إيران بالواجب هناك.

ويتحدث أوباما عن إيران كشريك فى محاربة الإرهاب وهو يعلم جيدا من مخابراته أن لإيران علاقات وثيقة مع تنظيم الدولة «داعش»، وفى اليمن ترك الحوثيين يتحركون ضد الشرعية الحقيقية ولم ينبت ببنت شفا، كما فعل مع مصر مع علمه الكامل بأن أمريكا هى التى أعطت الشرعية للإخوان وليس الشعب وذات الشعب هو الذى سحبها منهم وليس الجيش، لقد بدا أوباما وكأنه يريد إضعاف العرب أمام إيران وهو يكرر ما فعله قبلا نيكسون وكارتر بإضعاف العرب أمام إسرائيل.

لقد بدأت تتسرب الآن أخبار عن بعض ما حدث فى المفاوضات بين أمريكا وإيران على حساب العرب فإطلاق يد إيران فى العراق كان مقابل خفض نسبة تخصيب اليورانيوم، وتعهد أمريكا بعدم إسقاط النظام السورى برغم استخدامه السلاح الكيميائى مقابل خفض عدد أجهزة الطرد المركزى.. إلخ. وغير هذا الكثير الذى نراه على الأرض مثل لماذا لم تؤيد أمريكا عاصفة الحزم بالقدر المتوقع من السعودية وحلفائها رغم أن عدم التأييد هذا ضد المبادئ الأمريكية العامة وقيمها المعلنة وكذلك ضد حلفائها من العرب والإجابة لأن أوباما يخشى أن يؤثر ذلك على إنجاز الاتفاق النووى مع إيران.

•••

ما الذى أخذه العرب من «إسطبل داود» الذى هاجموه سابقا وركضوا إليه لاحقا؟ قبل الإجتماع بالرؤساء العرب بيومين كانت زيارة جون كيرى لموسكو ليبحث كيفية إفراغ الحرب السعودية فى اليمن من مضمونها لأنها ضربت سياسة إيران فى المنطقة فى العمق سواء فى اليمن أو سوريا، ويؤجل سقوط بشار الأسد بإدعاء أن البديل هو وصول المتطرفين إلى السلطة. وأهم من كل ذلك هو أنه سمح لروسيا أن تبيع لإيران صواريخ متطورة من طراز «إس 300»، وكانت أمريكا قد عارضت ذلك بشدة لتأثيره على توازن القوى فى الشرق الأوسط خاصة مع إسرائيل لقد اتفق وزير الخارجية الأمريكى مع روسيا على تهدئة الأمور فى الشرق الأوسطو محاولة حل النزاعات المثارة على الأرض.

ألا يذكرك ذلك – عزيزى القارئ – بما تم عقب هزيمة 1967 بين أمريكا وروسيا عندما اجتمع رئيساهما معا واتفقا على ما دعى فى ذلك الوقت حالة «الاسترخاء فى الشرق الاوسط«و ذلك فى غياب طرفى النزاع. من هنا نستطيع أن ندرك أن ما قدمه أوباما للرؤساء العرب فى «إسطبل داود» هو ما دعاه «الحرب على الإرهاب» أى أن أمريكا لن تتدخل فى نزاعات الدول والتهديد الإيرانى لكنها ستتدخل فى محاربة الإرهاب فقط، أما فى نزاعات الدول العربية ضد إيران فكان الوعد ضمان الأمن فى دول الخليج وهو تعبير مطاط ليس له أبعاد حقيقية، ولم تتم أية معاهدات تضمن ذلك، فلم تصل تعهدات أوباما إلى مستوى إعلان جيمى كارتر فى «المبدأ» الذى رفع أمن الخليج وممرات الطاقة وحقول النفط إلى مصاف الامن القومى والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وانتهى بإنشاء «قوة التدخل السريع» وبناء على ذلك «المبدأ» كانت حرب تحرير الكويت.

لا شك أن البيان الختامى كان قويا فى تعبيراته اللغوية ومحسناته البديعية، وهو ما يطرب العرب ثم لا يجدون بين أيديهم سوى أن أمريكا تدافع عن مصالحها لدى العرب، وفى إطار الدفاع عن مصالحها تقيم صداقة مع القائمين على هذه المصالح، أما مصالح العرب الحقيقية فعليهم هم أن يتدبروها بطريقتهم وهذا ليس بغريب أنها السياسة العالمية فى كل زمان ومكان لكن العرب ــ للأسف ــ لا يتعلمون.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved