هل أنا رجعى فكريا..؟

محمد رءوف حامد
محمد رءوف حامد

آخر تحديث: الأحد 23 فبراير 2020 - 9:30 م بتوقيت القاهرة

سنة بعد أخرى.. وعقد تلو عقد.. أجيال وعصور تتعاقب، وما زلنا نحن العرب غارقين فى دوامات مزمنة من المتضادات والمتناقضات، سواء كانت أحاسيس وتوجهات، أو إشكاليات وردود أفعال.
إنها وضعية سلبية «تسونامية» تجتاحنا جميعا، أنا، وأنت، هو وهى، نحن وهم.. إلخ، لا يسلم منها إلا البعض ممن هاجروا وانخرطوا بالفعل فى منظومات حياتية متقدمة.
لقد تعدت هذه الوضعية تجريف الماضى والحاضر إلى تخريب ما يمكن الاعتماد عليه من آليات وأدوات مستقبلية للتصحيح.

موقعنا من حركية الزمن
يحدث ذلك فينا كعرب، أفراد ومؤسسات وكيانات وبلدان، حتى صارت «حركية الزمن» تُرجعنا إلى الوراء، بينما تقفز عبرها شعوب أخرى إلى الأمام، إلى حياة أكثر حيوية واكتمالا ونفعا وجمالا.
المَخرج مما نحن متشرنقون فيه من دوامات يكمن فى قدرتنا على أن نواجه أنفسنا (بإعمال الذهن.. وبالتفكر) من أجل التوصل «الجماعى» للإجابة عن سؤال:
لماذا نحن رجعيون فى علاقتنا مع الزمن؟
هنا، لا يُجدى أبدا أن يحاول أى منا، كفرد أو ككيان مؤسسى أو كدولة، أن ينفى خاصية الرجعية عن نفسه بالذات، حيث ــ عمليا ــ نتراجع فى مجملنا إلى الخلف حتى صرنا جميعا «فى هوا الرجعية سوا».

شكل الزمن فى حياتنا
فى التعامل مع هذه الإشكالية، المزمنة جدا والمعقدة جدا جدا، إشكالية أننا فى المجمل رجعيين، علينا أن ننتبه إلى «شكل الزمن» فى حياتنا، الأمر الذى يتجسد فى سلاسل متضافرة من العدائيات لبعضنا بعضا، ومن الاتباعية للأجنبى، ومن الإنكار والتجاهل لما يطرأ علينا وبيننا من إيجابيات.

من أبرز سلوكيات العداء لذواتنا ولبعضنا بعضا إقدام الإنسان على إنهاء حياة الإنسان الآخر.
يحدث ذلك تجاه الجار، أو الصديق، أو الزميل، أو القريب، أو المنافس، أو شخصية عابرة... إلخ. الدافع يتباين بين المصلحة المادية (خاصة مطامع الأفراد) أو المصلحة السياسية (بين السلطات والمختلفين معها). وفى كل الأحوال يهيمن ضيق الأفق وفكر القوة، حيث تتغيب انضباطيات ومرجعيات الجودة، فى الممارسات الأمنية والمساءلات القانونية.
وكما وقع ذلك فى حادث ذبح الصحفى خاشقجى داخل القنصلية السعودية فى إسطنبول، فإنه حدث ويحدث فى مقتل زوجة وأبناء بواسطة أب، نتيجة خلل مالى أو عائلى، أو فى قيام بلطجى بقتل شاب لتأديبه، بسبب اعتراضه على ممارسات تحرش جنسى.. إلخ.

وإضافة إلى القتل الفيزيائى للآخر يتعرض المعارضون بالرأى، فى عديد من بلداننا، إلى الاغتيال النفسى بالاعتقال و/أو التعذيب.

المعنى فى كل ذلك أننا نمارس الرجعية بضراوة، غير مكترثين بأية سياقات تحضر (أو تقدم) تكون قد اكتسبتها الإنسانية.

الموقف من الإيجابيات
أما عن الإنكار والتجاهل (وغياب الإدراك)، لما يطرأ علينا وبيننا من إيجابيات فهو بعينه التآكل (أو الانتحار) الذاتى، بمعنى الإهدار الإرادى لما يمكن أن يطرأ على وعينا وإمكاناتنا كعرب من ارتقاء.
من أبرز ما قد طرأ من إيجابيات عربية حديثة يمكن الإشارة إلى نموذجين.
يتمثل النموذج الأول فى ارتقاء حس وممارسات المرأة العربية تجاه أوضاع وأحداث ومجريات أمور الشأن العام المحلى. أما النموذج الثانى فيتجسد فى ارتفاع منسوب المعرفة بالشأن السياسى عند عموم الإنسان العربى.
كلا النموذجين قد بزغا وتجسدا ــ على وجه الخصوص ــ فى خضم فوران الانتفاضات العربية على مدى العقد الماضى، وفى كليهما تبرز شريحة الشباب، من الجنسين، باعتبارها الأكثر تعرضا للإنكار واللوم، بل والعقاب.
عدم الارتكاز على مثل هذه الظواهر الإيجابية كمداخل لإحداث تحولات ديمقراطية تمكينية (لتنشيط وسائل الحوار والتعبير عن الرأي)، ولاستنهاض الفكر السياسى (كإطار للارتقاء التنموي)، إنما يشير إلى عجز فى إدراكات المنظومات العربية الرسمية (حكومية ومؤسساتية) لقيمة ما بزغ من تطورات عند المرأة والشباب، وعند عموم المواطن العادى.
وبالاعتبار لمدى التخلف التنموى العربى، فإن إهدار الاستفادة بمثل ما ذُكر أعلاه من إيجابيات، كجسر لإحداث قفزات تقدمية، إنما هو تجسيد عملى لرجعية صرفة.

مكانة الآثار الجانبية
الأوضاع على غرار ما ذُكر أعلاه تجعل حياة الأفراد والكيانات والدول فى المنطقة العربية ممتلئة بالآثار الجانبية، أو أن الآثار الجانبية هى التى تقود الجميع، على جميع المستويات، من محطة سيئة إلى أخرى أكثر سوءا.
إشكالية تفاقم الآثار الجانبية لما يجرى من معوقات سلوكية وغيبة فى الإدراكات تتضخم دوما بسبب استمرار تبعيتنا بالكامل ــ تقريبا ــ للأجنبى، والتى تتقزم معها إمكانات وفرص التوصل إلى حلول محلية/ عربية أصيلة لأية مشكلات أو أسئلة.
نقد التبعية للأجنبى لا يعنى رفض ما هو أجنبى، وإنما يرمى إلى استيعابه، والتفاعل معه كأحد العناصر الوارد الاستفادة بها ومنها، وليس باعتباره العنصر (أو الإطار) المهيمن على توجهاتنا. وفى المقابل لن يحدث أى تقدم جاد (ومستدام) فى بلداننا بعيدا عن الارتكاز على ما هو أصيل عندنا من تراث ومشكلات وأسئلة وإمكانات وخبرات ورؤى واستشرافات.
وهكذا، من الطبيعى أن تنتعش الآثار الجانبية فى ظل دوامات التبعية للأجنبى، والمعوقات السلوكية، والإدراكات الغائبة.
وعليه، فقد تنامت آثار جانبية عظمى صارت هى الأكثر هيمنة على الماضى والحاضر والمستقبل، ومن أبرزها سطوة التسلطات (الإدارية والسياسية) على عمليات اتخاذ القرار، والتضخم السرطانى لمنصات الاختلاف فى العقائد، سواء هى دينية أو سياسية.
الأمران معا، التسلطات وتضخم منصات الاختلاف، يغذيان الجنوح إلى الديكتاتورية، ويؤديان إلى مسار الاحتراب الأهلى.
هنا يجدر الانتباه إلى أن الاحترابات الأهلية العربية الحديثة، قد بزغت فى بلدان شهدت درجات عظمى من التسلطات والديكتاتوريات، والتى كان من شأنها إنعاش (وإشعال) التطرفات والانقسامات.
يتجسد ذلك إلى حد كبير فى خلفيات وأوضاع العراق وسوريا وليبيا واليمن.

ماذا عن المستقبليات؟
وفى مقابل قوى الدفع التى تجعلنا جميعا، شئنا أم أبينا، ندور فى فلك «مدارات رجعية» ترجع بنا إلى الخلف، يتولد التساؤل عن نوعية المسارات التى يمكن أن تكفل المعالجة، أو المجابهة، أى التى تضع حدا للسياقات الرجعية المهيمنة على حياة العرب وأوضاعهم.
فى ظننا لنقطة البدء جانبان. يكمن الأول فى «الاهتمام المعرفى» بأى قدر من الإيجابيات «المنظومية» السياسية يكون قد ظهر، أو يمكن أن يظهر، فى حياتنا، وكياناتنا، وبلداننا كعرب.
الاهتمام المعرفى يعنى التحليل والتنقيب، والتوصل إلى الأسباب، واكتشاف القوانين، إضافة إلى الاستشراف.
من أمثلة الإيجابيات ــ النسبية ــ يمكن الإشارة إلى «التحول الديمقراطى» فى تونس، وإلى «حركيات الشارع السياسى» السودانى قبيل وأثناء وبعد إسقاط «البشير». ذلك إضافة إلى النموذج المغربى بخصوص إدارة الشأن الوطنى بين الأطراف المختلفة.
أما الجانب الآخر فيكمن فى إعلاء شأن «قوة الفكر» وفى التعامل بالتفكر.
وباعتبار أن المعالجة والمجابهة للسياقات الرجعية تنطلق أساسا من الاهتمام المعرفى ومن الفكر والتفكر فهى بطبيعتها تكون علمية تقدمية.
من هذا المنظور يتحول السؤال عند أى عربى (فرد أو كيان... إلخ) من «هل أنا رجعى؟» إلى كيف أكون «علميا» فى التعامل مع الزمن باتجاه التقدم؟

أستاذ جامعى

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved