مصر وحقبة الغاز الطبيعى

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الجمعة 23 فبراير 2018 - 9:50 م بتوقيت القاهرة

مرت مصر فى المائة عام الأخيرة بعدة حقب تاريخية شكلت سياستها واقتصادها وكان لقراراتها التأثير المباشر على شعبها. كانت الحقبة الأولى بعد الاستقلال من المحتل الاستعمارى وكان الاتجاه فى ذلك الوقت هو نحو الليبرالية السياسية والتى تتكون من ديمقراطية دستورية مشابهة إلى حد كبير لليبرالية الأوروبية وقد سميت هذه الحقبة افتتان العبد المتحرر حديثا بسياسات وتوجهات سيده القديم. فى ذلك الحين كانت الثقافة والأفلام والصحف والأدبيات كلها تصب وتنَظر فى اتجاه الديمقراطية والرأسمالية وكان الشعب يؤيد هذا التوجه بقوة وكانت نجوم هذه الحقبة الوفد وسعد زغلول ومصطفى النحاس ومكرم عبيد...إلخ إلا أن صعود الثورات العسكرية فى نهاية هذه الحقبة بداية من الخمسينيات من القرن الماضى والتى صعد فيها نجم الدول العربية القومية الشعبوية بشعاراتها القوية اليسارية والثورية وظهر تعبير القومية العربية، وصاحب هذه الحقبة تأميم قناة السويس والمغامرات العسكرية فى اليمن والجزائر وإفريقيا.. إلخ. وهكذا كان التيار الوطنى القومى كاسحا وصار المثقفون يعلنون بوضوح التزامهم بقضايا أمتهم وأصبح الجيش والشعب والدولة والحكومة يدا واحدة وتوجها واحدا وكل من يعارض هذا التوجه مصيره السجون والاعتقالات والموت.. إلخ. وانتهت هذه الحقبة بحرب سنة 1967 حيث انهزمت الدولة القومية وتراجع ارتباط الشعوب بحكامهم وحكوماتهم وبموت عبدالناصر انتهت هذه الحقبة وجاء السادات وتبنى الرأسمالية الليبرالية فى الاقتصاد الرأسمالى العولمى المتوحش والمنفلت من الالتزامات الاجتماعية هنا صار المثقفون العرب مصدر إزعاج للدول خاصة بعد الاتجاه لعقد اتفاقات مع إسرائيل عقب حرب 1973 وهكذا تحكمت الأقلية الغنية والرأسمالية الفاسدة فى الشعوب وأصبح الارتباط النفعى بالخارج على حساب الاستقلال الوطنى القومى. فى تلك الفترة أطلق العنان للإخوان المسلمين أن يكونوا أعضاء فى مجلس الشعب خاصة بعد عودة المغتربين فى بلدان النفط، وازدادت الفتنة الطائفية عمقا فى جدار الدولة المصرية القومية وكانت الاحتجاجات مسموحا بها مهما كان صوتها عاليا طالما لا تؤدى إلى تغيير حقيقى على الأرض. وجاء الربيع العربى بانتصاراته وهزائمه لندخل فى حقبة رابعة بالغة التعقيد حيث كانت فترة غامضة تدخلت فيها الولايات المتحدة لتقسيم البلدان العربية وتمويل الجماعات الإرهابية بهدف إبقائها فى بلدانها الأصلية وعدم إزعاج أوروبا وانهارت العراق وسوريا واليمن وليبيا وأنقذت تونس ومصر، فى هذه الحقبة توالت المفاجآت حيث تدخلت روسيا فى الشرق الأوسط بطريقة غير مسبوقة تذكرنا بحقبة الستينيات التى كانت دول الشرق الأوسط فيها تعتمد عليها فى مواجهة إسرائيل لكن فى النهاية خذلت روسيا حلفاءها العرب.

***

لكن فى هذه المرة كان التدخل الروسى مختلفا بصورة جذرية فى الدفاع عن سوريا ضد المخطط الأمريكى وانضمت إيران إليها وكان هذا الأمر غير متوقع وغير طبيعى فى تاريخ الأمة العربية إذ رفضوا إسقاط الأسد وتحدوا دول الخليج التى بنت كل سياساتها على إسقاط الأسد وهنا ظهرت علامات استفهام عدة وكان ذلك بسبب بداية ملامح مرحلة جديدة غير مسبوقة تعتمد على الاقتصاد أكثر من السياسة حيث اكتشف فى البحر الأبيض المتوسط فى إسرائيل ومصر وقبرص استكشافات نرويجية وتركية للغاز الطبيعى، وكان أكبر حوض للغاز فى مياه إسرائيل الإقليمية بالشراكة مع قبرص ومصر وهنا أصبح من المحتم على هذه الدول التعاون فاكتشاف الطاقة يجعل الأعداء يتعاونون. لقد كان اكتشاف الغاز هو الشرارة التى يمكن أن تعيد اشتعال المنطقة وتغير الأمور إلى أسوأ إلا أن من الواضح أن حكام هذه البلاد وشعوبها صاروا أكثر نضجا وفهما وإدراكا، ولم يعد للشعارات السياسية القديمة مكان حيث ارتفعت نغمة المصالح الاقتصادية والثروة وتسديد الديون التى تراكمت بسبب الشعارات السياسية القديمة التى عاشت الحكومات تلقنها لشعوبها وفى النهاية ازدادت الدولة فقرا وأمية وانقساما.

من هنا صارت الصراعات حول الغاز بين لبنان وإسرائيل والتهديد بالحرب كان ماثلاَ فى الأذهان لكن كيف يمكن أن تحدث حرب فى منطقة مليئة بثروة غير مسبوقة، يمكن أن تحل جميع مشاكل شعوبها لقد أصبحت إسرائيل تخشى على آبارها من صواريخ حزب الله بعد أن اكتشفت شركة موبل 40 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعى على بعد 9 كيلومترات من ساحل حيفا، نفس الأمر حدث فى المياه القبرصية وفى المياه المصرية وفى سوريا ولبنان. هنا جاء التوجه السياسى الجديد الذى يتسم بالعقلانية والفهم والإدراك للتغيرات العالمية وهو حتمية تعاون هذه الدول معا (مصر وإسرائيل وتركيا) وقد بدأت تل أبيب هذه الخطوة بفتح سفارتها فى أنقرة وهكذا تم فتح السفارة التركية فى تل أبيب، وجاء السؤال هل يستطيع الغاز الطبيعى أن يجمع الدول المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط معا على مائدة واحدة، فى مايو 2016 كان المبعوث الإسرائيلى الخاص بالطاقة برتبة وزير الطاقة يتحدث عن ثورة حقيقية تدعى ثورة الطاقة برعاية هيلارى كلينتون وباراك أوباما وجاء ترامب للسلطة فى أمريكا وثَبت سياسة أوباما ووقعت المعجزات قبرص مع إسرائيل وإسرائيل مع تركيا واليونان ومصر مع كل هؤلاء، كل هذه الدول عليها أن تعمل سويا لأجل رفاهية شعوبها وضمان مستقبل أفضل. من هنا بدأت عملية حل مشكلة قبرص ــ التركية والتى لا تعترف بها سوى الدولة التركية من بين دول العالم منذ 42 عاما وبدأت المباحثات من عام 2016 فى أجواء مناسبة لعلاقات دبلوماسية بين تركيا وقبرص لحل المشكلة، فإسرائيل وتركيا واليونان وإيطاليا جميعها تعبر من جزيرة قبرص، وقد أعلن بعد مفاوضات السلام 2017 عودة الدبلوماسيين من أجل توحيد الجزيرة وتوقع من الجميع نتيجة إيجابية. على الجانب الآخر تم عقد اتفاقية بين إسرائيل والأردن اللذين يعيشان فى سلام منذ 20 عاما لنقل خط أنابيب يغطى 40% من احتياجات الأردن تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك رغم بعض المعارضة من الشعب الأردنى الذين نددوا بما أسموه اتفاقية العار.

فى المياه الإقليمية اللبنانية مليارات من الأمتار المكعبة من الغاز وإسرائيل تقوم باستغلالها دون اتفاقية وهناك توتر ربما يؤدى إلى حرب.

***

من هنا بدأت تتضح قصة روسيا وسوريا فى ثورة الربيع العربى السورية 2011 فقد كان الخطر ضياع خط أنابيب الغاز المتصل بروسيا والذى يعبر من سوريا عبر السعودية والأردن وحتى تركيا والعراق ولقد أرادت قطر تصدير الغاز لأوروبا من سوريا كبديل لروسيا ورفضت سوريا. من هنا بدأت قطر تمويل المعارضة السورية ومن هنا وقفت دول الخليج مع مصر ضد قطر ومن هنا يتشكل موقف مصر من الأسد، وأخيرا من هنا كان الدفاع الروسى عن الأسد والتمسك به حتى النهاية لا لاتفاق ورؤى سياسية مشتركة لكن لأجل الغاز وهو نفس مبرر إيران فى التواجد فى سوريا لقد تم بناء خط أنابيب ينقل الغاز إلى قلب أوروبا وينتهى عام 2019.

فى فبراير 2017 كانت مصر تستقبل عقودا استثمارية تتحدث عن عشرات المليارات من الدولارات فى استثمار الغاز وقف مدير شركة إينى الإيطالية التى اكتشفت حقل الغاز فى مصر ليعلن أنه يمكن استخراج 37 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى السائل فى مصر سنويا لتستفيد منه إسرائيل وقبرص، وأن مصر لديها كل البنى التحتية للغاز فالغاز يجب نقله من خلال أنابيب 5 – 10 مليارات دولار ومصر لديها مصنع لإسالة الغاز ونقله لأوروبا وفى سؤال لوزير البترول المصرى قال يمكنك اليوم شراء أى منتج من أى بلد ونحن نعيش فى عصر العولمة طالما لديك المال لشراء الغاز فهو وسيلة للتبادل التجارى ومصر تؤمن بذلك، هذا الغاز يمر تحت مياه البحر المتوسط بمأمن بعيدا عن سيناء ولذلك لن يتسبب فى أى حرب ولن يتعرض للتفجير ولأجل كل ذلك نحن نعتقد ـ عزيزى القارئ – أننا بلا شك نحن نعبر فى مرحلة جديدة غير مسبوقة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved