التحدى الصينى والطريق الثالث

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الإثنين 22 فبراير 2021 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

لم يتصور عاقل من قبل أن يتحول تداول السلطة الرئاسية فى الولايات المتحدة الأمريكية من حدث دورى عادى إلى مؤذن بتغيرات كبرى فى مسار سياساتها الخارجية والداخلية، وما لذلك من آثار حتمية على مختلف دول العالم.
الثقة المفرطة فى الطبيعة المؤسسية للنظام الأمريكى كانت حاضرة على الدوام، متى أثيرت المخاوف من أى تهور ذى طابع فردى. الرهان على مؤسسات الدولة لم يكن خاسرا، لأن الديمقراطية استطاعت أن تصحح أخطاءها وأن تعيد الدولة إلى مسارها المعتاد الخالى من المفاجآت والارتباك المخجل.
لكن هذا لا يمنع من هشاشة الديمقراطية (على حد وصف الرئيس بايدن نفسه) التى تجلّت فى أكثر من موضع طوال الأعوام الأربعة الماضية، بل ووفقا للرئيس الأمريكى الحالى تجلّت تلك الهشاشة فى رفض مجلس الشيوخ اتخاذ قرار بإدانة الرئيس السابق ترامب وعزله (أدبيا) من السلطة، على خلفية تحريضه للجماهير على اقتحام مبنى الكونجرس الأمريكى فى اضطرابات السادس من يناير الماضى. وإن كنت شخصيا أعتقد أن القرار كان حكيما ومنتصرا لتوازن القوى بين السلطات، ومانعا لسن قاعدة انتقامية تهدر خلالها الإجراءات وتهيمن عليها العاطفة.
فى تقديرى أيضا أن التجلّى الأكبر لهشاشة الهيمنة الأمريكية هو تزايد معامل الارتباط بين تغير شخص الرئيس وحزبه، وبين تغير سياسات الدولة الأكبر فى العالم تجاه قضايا غاية فى الحساسية. مثل الموقف من قضايا البيئة والعودة إلى اتفاقية باريس، والموقف من إيران وإعادة إحياء اتفاقية خمسة زائد واحد وأثر ذلك على العلاقات مع سائر دول الشرق الأوسط، ومثل إعادة رسم العلاقات السياسية والاقتصادية مع معظم الدول الكبرى وفى مقدمتها الصين والاتحاد الأوروبى، والدول الحدودية وأقصد المكسيك... ناهيك عن سائر القرارات العاجلة التى يعتزم من خلالها بايدن محو فترة ترامب تماما من تاريخ الولايات المتحدة، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه فى ختام حكم أوباما، حين شغل بايدن منصب نائب الرئيس. من ذلك العودة إلى برنامج التأمين الصحى «أوباما كير» ومراجعة النظم الضريبية... وغير ذلك من تفاصيل المائة يوم الأولى للرئيس الأمريكى الجديد.
***
نادرا ما نجد هذا الانقلاب التاريخى السريع فى إدارة الدول الكبرى المستقرة، حتى وإن كان مراده العودة إلى مسار قديم. ليس ثمة ضامن من عدم إعادة انتخاب ترامب أو من يجسد أفكاره مجددا بعد فترة بايدن مباشرة أو بعد حين. التقلبات صنو المخاطر وقرينته التى يتعين إدارتها بحكمة والحد منها خاصة فى فترات انتشار الأوبئة المصحوبة بعدم اليقين.
إذا كان النظام الاقتصادى العالمى يتعرض حاليا لكثير من الاختبارات القاسية، والتى تفجّرت نتائجها فى صورة انتخاب حكومات شعبوية سطحية البرامج هنا وهناك، وتمرّد على نتائج العملية الانتخابية، وتشكيك فى نزاهتها بدعاوى لا تخلو هى الأخرى من النبرة الشعبوية. وإذا كانت تلك الطفرة الشعوبية قد اتسمت فى دول العالم المتقدم باتجاه انعزالى وانحياز وطنى وعرقى ونبذ للعمالة الأجنبية ونكوص عن الالتزامات الأممية والإقليمية، فإن المراقب الفطن للأحداث يرى نظاما عالميا جديدا فى طور التشكيل، وفى القلب منه نظام اقتصادى وليد تحكمه عدة شروط.
أهم ملامح النظام الاقتصادى المنتظر هو ضمان عدم وقوعه ضحية لحالة الارتباك الغربى، وضرورة فطامه عن الجسد الأمريكى المترهّل ولو بصفة مؤقتة وجزئية حتى يعاد تقييم الأمور. هنا يأتى دور التنين الصينى الذى يقف غير بعيد، يتحين فرصة يقنص فيها الدور القيادى الأول فى حركة التجارة والاستثمار وربما فى عملة الاحتياطى العالمى.
يتساءل «صمويل هنتنجتون» فى تحفته «صراع الحضارات» ثم يجيب نفسه: «ما الذى يجعل الثقافة والعقيدة جاذبتين؟ يجعلهما كذلك أن يتجذرا فى نجاح وهيمنة مادية. القوى الناعمة لا تصبح قوى إلا إذا ارتكزت على أسس من قوى صلبة. التقدم العسكرى والاقتصادى يدعم فى الشعوب الثقة فى النفس، ويبعث فيها الغرور والشعور بتميز وفوقية قيمها وثقافتها وقواها الناعمة على ما سواها من الشعوب الأخرى. أما تراجع القوى الاقتصادية والعسكرية فيبعث الشك فى النفس وأزمات الهوية، ويحض على البحث فى ثقافات الآخرين عن النجاح الاقتصادى والعسكرى والسياسى».
***
القوة الاقتصادية التى اكتسبتها الصين مؤخرا، عززت من ثقتها فى اقتحام مناطق النفوذ الغربى فى مجالات كثيرة أبرزها الطاقة المتجددة، والصناعات الثقيلة، والصناعات الدوائية، وصناعات تكنولوجيا المعلومات، والتجارة الإلكترونية... بل وأغرت بدولة الصين إطلاق مبادرة عالمية يمكنها أن تغير خارطة التجارة فى العالم، وهى مبادرة الطريق والحزام التى تعيد إحياء طريق الحرير التاريخى، وتخلق حزاما للنفوذ الصينى لا مثيل له، خاصة مع تعزيز التواجد المادى للاستثمارات الصينية فى كثير من الدول، عبر استحواذها على حصص حاكمة فى شركات عابرة للجنسيات، وعبر تمويلها للمشروعات العملاقة خارج حدودها من خلال بنوك التنمية الصينية، وعبر الاستثمارات الصينية المباشرة فى عدد كبير من الدول أبرزها دول أفريقيا جنوب الصحراء.
ليس غريبا إذن أن يطلق وزير الخارجية الأمريكى الحالى تصريحا مفاده أن التحدّى الصينى هو أكبر تحدٍ أمام الولايات المتحدة حاليا، وأن ترامب كان محقا فى بعض سياساته تجاه الصين. ولعل اختيار لفظ تحدٍ هو للتخفيف من طبيعة الصراع البارد بين البلدين، تخفيف لفظى لازم لمرحلة بايدن الأكثر رشدا.
الثقافة الصينية فى التعامل مع القوى العاملة والبيئة وحقوق الملكية الفكرية وسلامة الغذاء تمثل أكبر التحديات للثقافات الأخرى وخاصة الثقافات الغربية. فهى من ناحية تخل بمبدأ التكافؤ، وتعزز من تنافسية المنتج الصينى ذى التكلفة والقيود الأخلاقية الأقل، ومن ناحية أخرى تفرض ثقافة القوى على المجتمع الدولى تباعا، ولعل انتفاضة الشعبويين فى الغرب المتقدم أهم إرهاصات المد الثقافى الصينى، والممهد لغزوته الثقافية المرتقبة.
لكى تنافس الصين عليك إذن أن تسلك أحد طريقين: إما أن تتبنى سياساتها وجانبا من ثقافتها، أو أن تقاطعها فتضرب دونها سدا لا يستطيع شعبها أن يظهروه ولا يستطيعون له نقبا. تتحمل نتيجة ذلك ضريبة شن حرب اقتصادية ضدها، وفى ذلك تقويض لمبادئ حرية التجارة وحركة الأموال والأفراد، وانهزام مادى معجّل لنظام الاقتصاد الحر، الذى هو جوهر العقيدة الاقتصادية الغربية.
فبين هزيمتين حضاريتين حتميتين أمام التحدى الصينى الجاثم، يتعين على الغرب بقيادة الولايات المتحدة أن يتحد من جديد للبحث عن طريق ثالث... فالديون والتخارج البريطانى قد هزما الاتحاد الأوروبى العجوز. والصراعات الإقليمية التى أشعلتها مطامع (غربية فى الأساس) للسيطرة على موارد الطاقة التقليدية قد فجّرت أزمة اللاجئين فى العمق من أوروبا الغربية، وانتشار الأوبئة والجوائح التى لا يعلم حتى الآن مدى تورّط معامل الحرب البيولوجية فى تخليقها، باتت توفّر غطاءً ومبررا منطقيا للانعزال الدولى، ووقف تدفق اللاجئين ومزاحمتهم للمواطنين فى أرزاقهم الشحيحة بالفعل.
العالم كله يقف اليوم على قشرة غير مستقرة من الأرض. الدول نفسها كمؤسسات تاريخية لإدارة المجتمعات البشرية باتت مهددة بالفشل، وظهرت كيانات ومؤسسات اقتصادية عملاقة تحقق ناتجا اقتصاديا أفضل من الدول، وتؤسس لمنظومة عدالة مقبولة بين موظفيها والمتعاملين معها. العملات الرقمية هى شكل من أشكال التمرّد على سيادة الدول. غزو الفضاء لم يعد حكرا على الحكومات، بل تتنازعه الآن شركات خاصة. بورصات الأوراق المالية وجدت منافسا قويا من الشبكات المغلقة بين الوسطاء، التى تمارس أنشطة التداول بغير عمولات. الحروب التى تبرر قيام ترسانات عسكرية ضخمة لا يمكن أن تملكها سوى الحكومات، أصبحت حلا ملفوظا جماهيريا وأخلاقيا. التغيرات الكثيرة والمتزامنة تفرض قيدا جديدا على إعادة تشكيل نسق العلاقات الدولية فى عالم ما بعد هدوء الجائحة، تخلق دافعا للفوضى (غير الخلّاقة فى كثير من الأحيان) حتى تستقر سفينة البشر وتستوى على جوديّها الموعود.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved