من العلم إلى التكنولوجيا: الطريق غير المستقيم

محمد زهران
محمد زهران

آخر تحديث: الأحد 23 فبراير 2020 - 11:09 ص بتوقيت القاهرة

 للعلم والاكتشافات العلمية هدفان: الأول هو فهم الطبيعة وظواهرها لنحمي أنفسنا ولنستغل ما نستطيع من تلك الظواهر، أما الثاني فهو التوصل إلى تكنولوجيا تساعد على تسهيل حياة البشر ورفاهيتهم. مقالنا اليوم يركز على الهدف الثاني وهو الطريق من الإكتشافات العلمية للمخترعات التكنولوجية  والعلاقة بينهما.

 أولاً الطريق ليس اتجاهاً واحداً بل اتجاهين. الاكتشافات العلمية تؤدي إلى المخترعات التكنولوجية  التي تشمل الأدوات التي يستخدمها العلماء في إكتشافاتهم العلمية، وبالتالي تتسارع عجلة تلك الإكتشافات.  فوسائل الاتصالات وأجهزة الكمبيوتر هي مبتكرات تكنولوجية تساعد على رفاهية البشر وتساعد أيضا على الاكتشافات العلمية في الوقت نفسه. لذلك تحرص الشركات التكنولوجية الكبرى مثل جوجل وأي بي إم على امتلاك فريق عمل في العلوم الأساسية والإكتشافات العلمية لأن تلك الشركات تدرك أن ذلك سيفيد أعمالها على المدى المتوسط والطويل.

 ثانياً المخترعات العلمية تعتمد على علم ناقص. فالعلم دائم التجدد والنظريات العلمية كثيرا ما يثبت خطأها وكثيرا ما تبدأ ناقصة ثم  تستكمل تفاصيلها. ألكسندر جراهام بل في تطويره للتليفون (وهو لم يكن في الحقيقة أول مخترع له بل أنطونيو ميوكي Antonio Meucci )   لم يكن يعلم نظريات علمية كثيرة مثل التشويش وسرعة الإشارة في المواد المختلفة، وغيرها الكثير من النظريات المهمة في هذا المجال التي لم يكن قد إكتشفت بعد؛ ومع ذلك تم إختراع التليفون. إذاً فالعلم يعطي دفعة للتكنولوجيا التي تتقدم لبضعة خطوات ثم تلحقها إكتشافات علمية أخرى تحسن من هذه التكنولوجيا وهكذا.

 ثالثاً الطريق من العلم للتكنولوجيا وبالعكس يتأثر بالإقتصاد. فالعلم يحتاج إلى تمويل وتحويله إلى تكنولوجيا يحتاج إلى تمويل وعندما تنجح هذه التكنولوجيا وتحقق جدواها الاقتصادية تصبح مصدراً للثروة والتمويل أيضاً. يأتي هذا التمويل إما من الحكومات أو من الشركات أو من بعض المؤسسات المهتمة بتقدم البشرية مثل مؤسسة "بيل وميلندا جيتس". هذه الجهات الممولة لها أهدافها التي قد تكون سياسية (سنتناول هذه النقطة في المقال القادم) أو إقتصادية (الربح) أو إنسانية (نادر ولكنه موجود). لذلك العلم والتكنولوجيا يتأثران بالحالة الاقتصادية في العالم. فإذا تتبعنا مثلا تكنولوجيا الذكاء الإصطناعي فقد بدأت منذ خمسينات القرن الماضي ثم تطورت في الستينات، وهنا بدأت الشركات والحكومات تنتبه لها وأصبحت الصحف والمجلات تكتب عن هذه التكنولوجيا الذي ستغير وجه العالم وانهالت الأموال والاستثمارات على الأبحاث المتعلقة بالذكاء الإصطناعي حتى وصلنا إلى نهاية السبعينات وبداية الثمانينات عندما أدركت الحكومات والشركات أن الخيال فاق الواقع وأن الوعود كانت أكثر من الممكن وأن التقارير الصحفية التي تناولت العوائد المتوقعة من تلك التكنولوجيا كانت مبالغ فيها جدا.  وكان ذلك إيذاناً ببداية خريف عصر الذكاء الإصطناعي حيث شح التمويل ثم جف وبالتالي قل البحث العلمي والتكنولوجي  في هذا المجال واستمر هذا الوضع حتى بدايات القرن الواحد والعشرين عندما أصبحت أجهزة الكمبيوتر أسرع و أدق وبالتالي أقدر على تشغيل تطبيقات الذكاء الإصطناعي وأصبحنا  نشهد آلاف الأبحاث تنشر سنوياً عن تلك التكنولوجيا وسيطرت تطبيقات هذه التكنولوجيا على كل استخدامات البشر.

 رابعاً الطريق من العلم للتكنولوجيا وبالعكس يتأثر بالسياسة كما يتأثر بالإقتصاد. فمثلاً منذ بداية الحرب الباردة بين أمريكا والإتحاد السوفييتي زاد التمويل جداً لصالح تكنولوجيا التشفير، ومع ظهور الإنترنت وثورة الاتصالات زاد التمويل لصالح تكنولوجيا التأمين ومنع الإختراق. تتحكم خريطة العالم السياسية في الإكتشافات العلمية وسرعة تحويلها إلى أدوات تكنولوجية لكنها لا تتحكم في إتجاهها لأن العلم يتقدم في كافة الإتجاهات والأفرع ولكن بعض تلك الأفرع يسير بوتيرة أسرع نتيجة للتقلبات السياسية التي تتحكم في الاقتصاد.

 خامساً العلم والتكنولوجيا يتأثران بعلمي الاجتماع  والنفس لأن الهدف النهائي للعلم والتكنولوجيا هو رفاهية الناس،كلنا يتذكر النظارة التي أنتجتها جوجل وتحتوي على سماعات وكاميرا دقيقة ومتصلة بالإنترنت، كانت جوجل تتوقع أن ينجح هذا المنتج نجاحاً كبيراً ولكنه فشل، السبب أن الناس لم تكن مستعدة لهذا المنتج بعد فأنت عندما تتحدث مع شخص وأنت ترتدي تلك النظارة سيشعر بالحرج وقد يتركك ويرحل لأنك قد تكون تسجل ما تقولان صوت وصورة، تلك النظارة هي إبتكار تكنولوجيا يعتمد على الكثير من المكتشفات العلمية السابقة وهي كمنتج تكنولوجي تعتبر تحفة إبداعية لكن شخصية الناس والعرف السائد لم يؤخذا في الحسبان.

 ماذا نستخلص من كل ذلك؟ أولاً العلم والتكنولوجيا في نفس درجة الأهمية ولا يمكن أن يتقدم أحدهما دون الآخر. لذلك فلا وجه لتفاخر فريق على الآخر لأن هذا يعمل في مجال علمي وذاك في مجال تكنولوجي، يجب أن يكون لدى العلماء إلمام بالسياسة الدولية والمبادئ الاقتصادية فالعالَم المتخصص جداً في مجال ضيق ولا يعلم شيئاً خارجه هو ليس بعالم حقيقي. فالعلم كلٌ متصل وليس جزراً منعزلة وهو متصل بالتكنولوجيا ويتأثر بالسياسة والإقتصاد وكل ذلك يتأثر بعلم الاجتماع وعلم النفس لأن السياسة والإقتصاد تتصل بالجماهير أي الجنس البشري كله.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved