الأكراد نهاية الحقبة الأمريكية.. فهل تبدأ العربية؟

محمد بدرالدين زايد
محمد بدرالدين زايد

آخر تحديث: الإثنين 21 أكتوبر 2019 - 10:40 م بتوقيت القاهرة

أبدأ من أننى أحد الذين تعاطفوا دوما مع الأكراد، والذين آمنوا بأن الدول المعنية، وهى تركيا وإيران وسوريا والعراق لم تحسن إلا قليلا معالجة مشكلتهم وبدرجات مختلفة، ومن الملفت للانتباه أن أهم التجارب فى محاولة المعالجة، أى العراق واجهت أخطر محاولات الانفصال منذ حوالى عامين، وتاريخيا كانت معالجات تركيا خلال وبعد الدولة العثمانية هى الأسوأ، بما يستقيم مع السجل التركى تاريخيا مع كل أو أغلب الآخرين من رعايا وجيران، ونماذج ذلك من أرمن وعرب وغيرهم.
على أن أكثر من ظلم الأكراد هو من استغل معاناتهم وطموحات قياداتهم، والسجل هنا يبدأ من بريطانيا، مرورا بإسرائيل، ثم الولايات المتحدة التى سجلت مؤخرا أكبر نماذج خيانتهم والغدر بهم بعد أن شجعتهم على طريق ــ تعلم واشنطن ــ مدى تعقيده، كما اعتمدت عليهم فى معركة مواجهة داعش، أو بالأدق استغلتهم لتقلص من خسائرها البشرية، ولتظل تدعى أنها هى التى تقود التحالف الدولى ضد هذا التنظيم الأسود الذى لا يجوز تكرار الاسم الذى يدعيه لنفسه.
وهنا لابد من استرجاع بعض الخلفيات، فعلاقة واشنطن مع التنظيمات الكردية قديمة وممتدة، منذ أن بدأ النفوذ الأمريكى فى المنطقة خلال الحرب الباردة وحربها ضد التيار القومى العربى، ولكن هذه الشراكة تعمقت أكثر بعد الغزو الأمريكى للعراق وتدمير مؤسسات هذه الدولة وتعميق النزعات الطائفية والعشائرية، وعلى رأسها المكون الكردى، وأظن أن علاقات واشنطن بعدد من القيادات الكردية فى الدول الثلاث الأخرى تعمق أيضا خلال السنوات الأخيرة من خلال التخريب الأمريكى المنظم فى سوريا والعراق.
ثم كانت الأزمة السورية فصلا تاليا، فبعد فترة كانت واشنطن فيها ضمن اللاعبين الدوليين والإقليميين الفاعلين فى مسار هذه الأزمة، جاء التدخل الروسى الكثيف والمخطط جيدا عام 2015 ليقلب موازين إدارة الأزمة لتلعب موسكو الدور الرئيسى فى هذا الصدد، ولكنها اضطرت فى ضوء التوازنات على الأرض والدورين المهمين الآخرين التركى والإيرانى إلى إشراك هذين الطرفين فى إدارة الأزمة، وأسفر هذا عن عملية الأستانة، والتى كان هدفها فى الحقيقة إدارة وتقاسم النفوذ واستبعاد الآخرين جميعا بمن فيهم العرب بشكل خاص إلا من أدوار هامشية متقطعة.
وهنا لجأت واشنطن لاستخدام ورقة كانت قد بدأتها وهى قيادة الحرب ضد تنظيم داعش العراق وسوريا، ونشرت أعداد محدودة من قواتها الخاصة خلال الفترات الأخيرة من إدارة أوباما لتدريب وقيادة هذه العمليات، ووجدت أداتها فى قوات سوريا الديمقراطية ذات المكون الكردى أساسا ليتولى العمليات البرية لكى لا تعرض جنودها أو حلفاءها الغربيين للأخطار، وبالقطع كان هذا مصحوبا بوعود غامضة أو صريحة للقيادات الكردية فى إطار تصور تقسيم سوريا، والأهم بالنسبة لواشنطن أن تشكل هذه المنطقة بسبب وجود القوات الأمريكية وقواعدها العشر فى شمال شرق سوريا فى المنطقة المتاخمة لتركيا فيتو ومنع لأى تحركات سورية أو من حلفائها روسيا وإيران، محاولة أن تبقى لاعبا فى الشأن السورى.
مشكلة واشنطن أنها كانت تلعب بالنار مستثيرة حليفتها القديمة تركيا بمخاطر إثارة مطامح بعض الأكراد قيادات أو مواطنين، ولم تتعظ من ردود الفعل عندما أثار أكراد العراق محاولات الانفصال، وهو ما ولد ردود الفعل التركية الحادة الممتدة منذ فترة خشية استمرار سيطرة القوات الكردية التى انتصرت كذلك على ربيب أنقرة أى داعش.
ولن أدخل فى تفاصيل تعقيدات هذه الأزمة التى تعرضت لها فى أكثر من مرة، ولكن لو كانت إدارة ترامب أكثر حصافة لتحركت فى الوقت المناسب لإخراج صفقة مع اللاعب الروسى للخروج المشرف والحصول على مزايا سياسية من الدولة السورية لحلفائها الأكراد وبشكل يهدئ المخاوف التركية ويمنع حماقات أردوغان، ولكنها لم تفعل لأن ترامب ببساطة يخلط بين صفقات الاقتصاد وصفقات السياسة، ولا يعبأ بمن يعتبرهم عملاء ولا بأصدقاء ولهذا حديث آخر، كما أن لديه اعتبارات عديدة، منها وعوده الانتخابية السابقة بأنه سينسحب من سوريا، وعدم اقتناعه بجدوى الحرب ــ وربما أتفهم هذا البعد، ولكنه بالقطع كان يمكن أن ينتج ترتيبات أفضل لحلفائه، وحتى الترتيبات التى نجح نائب الرئيس الأمريكى فى التوصل إليها لا تغير من حقيقة أن واشنطن تترك الأكراد فى وضع أسوأ مما كانت عليه الأمور قبل ذلك ــ فضلا عن أن مصيرها ليس قاطعا بعد.
وإذ سبق لى تناول رسوخ النزعة العدوانية التركية يبقى السؤال الأهم الذى ربما يحتاج إلى وقفة تالية وهو هل يمكن أن تصبح هذه المحنة درسا للأكراد وكذا لسوريا والعراق لأن تكون مظلة الأكراد فيهما عربية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved