الأغنية التى هزمت الفاشية فى إيطاليا

جورج فهمي
جورج فهمي

آخر تحديث: الأربعاء 21 أبريل 2021 - 7:10 م بتوقيت القاهرة

انطلقت أنغام الأغنية الإيطالية «وداعا أيتها الجميلة» فى حفلة طلابية داخل الجامعة الأوروبية فى مدينة فلورنسا الإيطالية التى درست فيها، فانطلق زملائى الإيطاليون وكأنهم قد تلقوا إشارة سرية يفهمونها وحدهم ليرقصوا على أنغامها، وهم يتمتمون كلماتها التى حفظوها عن ظهر قلب. كان هذا هو لقائى الأول مع الأغنية الإيطالية الأشهر من دون منازع. سألت ماتيو صديقى الإيطالى عنها، فأجابنى باستنكار: ألا تعرفها؟ إنها أغنية المقاومة الإيطالية التى هزمت نظام موسولينى الفاشى، وحررت إيطاليا من احتلال ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد أخذ ماتيو على عاتقه خلال الأسابيع التالية «محو أميتى» حول التاريخ السياسى لإيطاليا، وخصوصا تاريخ صعود الفاشية، ومقاومتها.
والفاشية هى أيديولوجية سياسية بدأت فى إيطاليا، وانتقلت إلى دول عدة مثل ألمانيا تحت حكم هتلر. اختلف تطبيقها من دولة إلى أخرى، إلا أن تجاربها المختلفة اشتركت فى مجموعة من الخصائص، مثل النزعة القومية المتطرفة التى ترى أن شعوبها تملك تفوقا عنصريا على ما عاداها من شعوب. ترفض الفاشية أيضا مبادئ الديمقراطية والانتخابات، وترى فيها سببا لتقسيم البلاد وإضعافها، وتؤمن فى المقابل بأولوية مصالح الأمة كما تراها النخبة الحاكمة على مصالح الأفراد. وتقوم سياستها الخارجية على العدوان العسكرى بهدف توسيع نطاق نفوذها باحتلال أراضى الشعوب التى تراها أقل مرتبة منها.
أسس بنيتو موسولينى الحركة الفاشية فى إيطاليا عقب عودته من الحرب العالمية الأولى. فعلى الرغم من أن موسولينى بدأ حياته كاشتراكى، مرَ فى تحولات سياسية عميقة، كان آخرها مشاركته فى الحرب العالمية الأولى، ما أدى به فى نهاية المطاف إلى التخلى عن أفكاره الاشتراكية القائمة على مبدأ الصراع بين الطبقات الاجتماعية، ليؤسس للفكر الفاشى الذى يرى أن على جميع طبقات المجتمع الاتحاد لتنفيذ مصالح الأمة. نجحت الحركة الفاشية فى توسيع نفوذها بشكل كبير خلال سنوات قليلة، وضغطت على الملك الإيطالى فيكتور إيمانويل الثالث حتى كلف فى نهاية المطاف موسولينى بتشكيل الحكومة فى العام 1922. استغل هذا الأخير منصبه السياسى لاستبعاد معارضيه كافة، وتدعيم سلطة حزبه الفاشى فى السيطرة على مؤسسات الدولة الإيطالية. وانضم موسولينى إلى جبهة هتلر، أو ما سُمى بالمحور خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أن الهزائم العسكرية التى مُنيَت بها قوات المحور دفعت الملك الإيطالى إلى عزله من منصبه وإلقاء القبض عليه. ردت القوات الألمانية باجتياح إيطاليا، وحررت موسولينى ووضعته على رأس نظام سياسى تحت سيطرتها فى شمال إيطاليا.
***
فى ظل هذا المناخ ظهرت أغنية «وداعا أيتها الجميلة»، وهى تحكى قصة هذا الشاب الذى استيقظ من النوم ليجد أن وطنه بات محتلا، فقرر توديع حبيبته للانضمام إلى المقاومة.
ففى مواجهة الاحتلال الألمانى، بدأت المقاومة الشعبية فى التشكل فى مدن إيطالية عدة من أعضاءٍ فى الأحزاب اليسارية التى حلها موسولينى، وكذلك من أعضاءٍ فى الجيش الإيطالى من الرافضين للفاشية، ومواطنين آخرين قرروا الانضمام إلى المقاومة لمواجهة الاحتلال الألمانى لمدنهم وقُراهم. وقُدِرَت قوات المقاومة الإيطالية بنحو 200 ألف مقاتل، من ضمنهم نحو 35 ألف مقاتلة. اعتمد المقاومون فى الأساس على المجتمعات المحلية المُسانِدة لهم، التى كانت لا تتردد فى توفير ما يحتاجون إليه من أماكن للاختباء أو الراحة، ومن مؤن غذائية وأموال. فكان المقاومون على سبيل المثال يستخدمون الدواب التى يعتمد عليها الفلاحون صباحا فى أعمالهم لنقل أسلحتهم ومؤنهم مساء، ويعيدونها إليهم صباحا. سعت القوات النازية بشتى الطرق إلى معاقبة القرى التى توفر الدعم للمقاومة، إلا أن ذلك لم يستطع كسر هذا الدعم المحلى لمقاتلى المقاومة. وقد كبدت المقاومة الإيطالية القوات الألمانية خسائر فادحة خلال الفترة الممتدة بين العامَين 1943 و1945.
استفادت المقاومة الإيطالية من انتصارات قوات الحلفاء على القوات الألمانية، ودَعَت فى أبريل 1945 مقاتليها إلى تكثيف هجماتهم فى مدن شمال إيطاليا مع تقدم قوات الحلفاء، لتسقط مدينة تلو الأخرى فى يد المقاومة وقوات الحلفاء، وتعلن القوات النازية فى نهاية المطاف استسلامها فى 2 مايو 1945. أما موسولينى فقد تم إلقاء القبض عليه وإعدامه فى 28 أبريل. انتهى الاحتلال الألمانى لإيطاليا، ومعه سقط موسولينى ونظامه الفاشى، وانتصر مقاتلو المقاومة الإيطالية. وتحتفل إيطاليا فى 25 إبريل من كل عام بذكرى هذا الانتصار وتحرير أراضيها. بيد أن هذا الانتصار لم يكن سهلا، فقد قضى نحو 30 ألف مقاوم نحبهم خلال معارك التحرير، بينما أصيب أكثر من 20 ألفا آخرين.
وتعبر الأغنية عن التضحيات التى قدمتها المقاومة الإيطالية خلال تلك المعركة، فتختتم كلماتها هكذا: «أيها المقاوم خذنى معك، لأنى أشعر أن الموت صار قريبا منى. إن متُ فادفنى فوق الجبال تحت ظل وردة جميلة. والناس الذين سيعبرون فوق قبر هذا المقاوم سيقولون ما أجمل هذه الوردة، إنها وردة المقاوم الذى مات فى سبيل الحرية».
***
لم تنتهِ قصة الأغنية مع هزيمة موسولينى، بل أضحت الأغنية رمزا للحرية والمقاومة حول العالم، فتُرجِمَت إلى لغات عدة، وصارت نغماتها حاضرة فى الكثير من التظاهرات، لا السياسى منها فقط، بل أيضا تلك المُنادية بالحفاظ على المناخ على سبيل المثال. فقد أصبحت الأغنية رمزا للمقاومة من أجل بناء عالم أفضل.
أما فى إيطاليا، فلا تزال الأغنية حاضرة أيضا، لا كذكرى جميلة فحسب، بل أيضا كجزء من الصراع السياسى فى مواجهة صعود تيارات اليمين المتشدد خلال السنوات الأخيرة، وفى ظل تصاعد أصواتٍ باتت تعلن صراحة حنينَها لموسولينى وأفكاره. «وداعا أيتها الجميلة» سببٌ للنزاع بين التيارات اليمينية المتشددة فى جانب، واليسار ومعه قطاعات واسعة من المجتمع الإيطالى فى الجانب الآخر. فبينما ينتقد اليمين المتشدد الأغنية بداعى أنها «شيوعية»، أو أنها تقسم إيطاليا إلى فريقين، تراها قطاعات واسعة من الإيطاليين ذكرى مهمة للكوارث التى حملتها الفاشية إلى إيطاليا، محذرين من أخطار صعود التنظيمات الفاشية مرة أخرى، ولا سيما فى ظل تصاعد خطاب الكراهية الذى يستهدف اللاجئين والمهاجرين.
لقد اخترعت إيطاليا الفاشية، إلا أنها قدمت أيضا أحد أهم نماذج مقاومتها. ولا تزال «وداعا أيتها الجميلة» قادرة على إلهام الكثيرين فى إيطاليا وخارجها لمواجهة موجات اليمين المتشدد المتصاعد، وخطابات الكراهية والعنصرية المصاحبة له، والعمل من أجل بناء عالم أكثر عدالة وأقل عنصرية.

باحث بمركز مسارات الشرق الأوسط بالجامعة الأوروبية بفلورنسا

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved