عدالة الأطفال.. عقاب للضحايا

طارق عبد العال
طارق عبد العال

آخر تحديث: الأحد 21 أبريل 2019 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

أثناء مرورى بإحدى طرقات المحكمة قابلنى مجموعة من الأطفال مربوطين بحبل يجمعهم معا، بملابس رثة، وبعضهم حافى القدمين، يقودهم أمين شرطة لعرضهم على نيابة الطفل، فى منظر تقشعر له الأبدان، وطريقة معاملة غير إنسانية، ولا تتفق مع كونهم أطفالا، ولا تتفق حتى مع أدنى قواعد من الممكن أن ننعتها بالقانون، فانتظرت حتى تم وضعهم فى ركن بإحدى الطرقات قريبا من مقر نيابة الأطفال «أو نيابة الأحداث» ــ حسب ما يطلقون عليها، ثم حاولت جاهدا أن أستبين حقيقة موقفهم، ولماذا يُسحبون كالخراف هكذا، وبطريقة تعامل المحامين علمت بأن ذلك تيسيرا على القائم على ترحيلهم لكونهم مجموعة، وهو ما يجعل أمر تركهم مضمونا بالنسبة له، كما أنه ــ وحسب قوله ــ أرحم من الكلابش.

تذكرت على الفور ما رأيته منذ سنوات فى محكمة دلهى من وجود حجرة كبيرة مخصصة للأطفال، بها ألعاب ومقاعد وثيرة ويتم تقديم العصائر والأطعمة الخفيفة للأطفال، وعلمت بأن هذه الحجرة مخصصة للأطفال الوافدين للمحكمة سواء كانوا متهمين أم مجنى عليهم أو شهودا فى قضايا، وأن القضاة أو أعضاء النيابة ينتقلون إلى هذه الحجرة لمقابلة الأطفال فيها بعيدا عن المكاتب الرسمية أو قاعات المحاكم.

فعجبت للمقارنة التى دارت برأسى ما بين وضعنا ووضع الهند فى هذا الشأن، على الرغم من الطفرة القانونية الجيدة التى خطاها المشرِّعون المصريون فى تطوير الخطاب القانونى المعالج لقضايا الأطفال، وكون المعالجة التشريعية لقانون الطفل المصرى رقم 12 لسنة 1996، والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008، وأن هذا القانون يُعد من أفضل قوانين الأطفال فى المنطقة العربية، وأنه أقربهم نسبيا إلى ما جاء النص عليه باتفاقيات حقوق الأطفال، سواء من حيث سن الطفولة (18 سنة) أو من حيث التمييز بين من هم أقل من خمسة عشر عاما، ومن هم فوق الخامسة عشرة حتى الثامنة عشرة، وهو السن المنهية لحالة الطفولة، وذلك بخصوص ما يُطبق على المتهمين من الأطفال ما بين تدابير احترازية أو اجتماعية لمن هم دون الخامسة عشر، أو عقوبات لمن هم فوقها حتى الثامنة عشرة، مع الأخذ فى الاعتبار تخفيف العقوبات لذات الجرائم فى حالة مقارنتها مع مرتكبى ذات الجرائم من الكبار.
***
حاولت أن أبحث عن السبب فى تردى الحالة الواقعية وما رأيته، وما الخلاف بين النص القانونى والتطبيق، إذ على الرغم من كون قانون الطفل يمنع حبس الأطفال احتياطيا قبل المحاكمة، ولا يجيز حبسهم فى أماكن مختلطة مع كبار السن، وهذه ميزات قانونية، إلا أن وضعهم أمامى بهذه الطريقة لم يكن بالأمر الهيِّن، أو الموضوع الذى من الممكن السكوت عليه، لكون هذه الطريقة فى المعاملة لا يمكن أن تفرز نماذج صالحة بعد المرور بهذه التجارب المريرة، التى ترسخ فى ذهن الأطفال مجموعة من النماذج القمعية فى سلوك المسئولين عنهم، وبالتالى ترسخ فى عقيدة الأطفال منهج عنف موازيا لما تعرضوا له خلال هذه الفترات. فتتبعت الأمر إلى أن تقابلت مع العديد من الأطفال، وهو ما اضطرنى إلى حضور تحقيقات معهم، وبعد مجموعة من الحوارات مع بعض العاملين فى هذه النيابات، أو العاملين فى بعض دور الرعاية، فتبين لى أن الأمر له علاقة فى بادئ الأمر بعدم وجود قانون إجرائى خاص بالأطفال بشكل مستقل، هذا من الناحية النصية، وأن هناك مشاكل عديدة فى المتعاملين مع الأطفال الذين فى حالة تماس أو نزاع مع القانون لا تقف عند نقطة الترحيل إلى النيابة، بل تمتد حتى تنفيذ الحكم أو العقوبة المقضى بها.

وإذا ما تناولنا الفقرة الأولى والخاصة بعدم وجود قانون إجرائى مخصص لقضايا الأطفال، أعتقد أن ذلك الأمر من الممكن حله بشكل على أقل تقدير يتماشى مع التطور التشريعى الحاصل فى قانون الطفل، وهو ما يجعل أمر القبض على الأطفال، وأماكن احتجازهم لحين عرضهم على النيابة المختصة، يقوم به متخصصون فى قضايا الطفولة، أو ممن تلقوا تدريبات عليها، ولا يقتصر الأمر فى أن تكون هناك شرطة للأطفال، إذ إنها بهذه الطريقة لا تُخرج القائمين عليها من عباءة التعامل الشرطى، ولكن يجب أن تخصص دراسات معينة لمن يقومون بهذا الدور، وأن يرافقهم فى كل الخطوات خبراء اجتماعيون، وأن يُلحق بكل قسم شرطة خبير اجتماعى أو نفسى لمقابلة الأطفال.
***
وعن زاوية المتعاملين مع الأطفال فى مرحلة ترحيلهم من وإلى النيابة أو المحكمة، فيجب إبعاد أمناء الشرطة عن هذا الأمر لخطورة ما يقومون به مع الأطفال، وأن يقوم بذلك من لهم خبرة فى مجال الطفولة، ويقف دور الأمن فقط عند حدود الحماية.

وإذا ما انتقلنا إلى الأماكن المخصصة لإيداع الأطفال، أو لحبسهم، فأرى أن الحكومة المصرية خلال السنوات الأخيرة قد نفذت أكثر من تحديث أو بناء سجون جديدة، فلا يجب أن يقف الأمر عند حدود البنايات فقط وخصوصا فيما يتعلق بالأطفال، وأن تقوم الدولة بنقل تجارب دول عديدة فى هذا الشأن فى كيفية بناء أماكن احتجاز أو سجون للأطفال، تتناسب على أقل تقدير مع أعمارهم، وتتوافق مع النظرات الاجتماعية الحديثة لأمر جنوح الأطفال، وأنه أمر يجب التعامل معه من زاوية اجتماعية ونفسية أكثر من التعامل معه من الزاوية الجنائية، بحيث يسهل الأمر على التعامل مع الأطفال، وأن يكون التعامل داخل أماكن الاحتجاز من متخصصين فى قضايا الطفولة، وباحثين وخبراء اجتماعيين ونفسيين، حتى يتمكنوا من تقييم سلوك الأطفال، ومعرفة مواطن الخلل، ومعالجتها، حتى يعودوا إلى أسرهم أسوياء، ولا يُشكلون عبئا على المجتمع يعود بالسلب علينا جميعا. كما أنه من الأساسيات التى يقوم عليها الدستور المصرى، أن لكل طفل الحق فى الرعاية الصحية والتعليمية والحماية من كل أوجه الخطر، وهو الأمر الذى يتطلب حماية وقائية قبل وقوع الضرر، وقبل أن يتزايد أعداد الأطفال الذين باتوا بمثابة قنابل موقوتة تهدد كيان المجتمع المصرى، وتعمل على زيادة معدلات الجريمة، وهو الأمر المُلاحظ فى تزايد نسبة أطفال الشوارع، أو الأطفال بلا مأوى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved