مطلوب حركة أفندية للدولة ثم الدين إن أمكن

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الخميس 20 سبتمبر 2012 - 8:20 ص بتوقيت القاهرة

من المعروف تاريخيا أنه قبل الأديان السماوية لم يكن هنالك ما يسمى بالحروب الدينية بين الدول أو الشعوب، ربما كانت هناك صراعات بين الملوك والكهنة على من يملك السلطان الأعظم على الشعب، وعادة كان الكهنة هم الذين يربحون، والحاكم الذى يرضى عنه الكهنة كان يستطيع أن يستمر فترة أطول فى الحكم، ولكننا لم نسمع ولم نقرأ عن صراعات حول أحد الآلهة، وذلك لأن كل واحد أو جماعة صغيرة لها إله خاص بها، لكن بعد أن وصل الإنسان إلى إدراك أن «الله واحد» أى فكر التوحيد بدأ الصراع بين البشر على من يملك الحقيقة المطلقة من نحو الله أو عن الله، وأصبح لدينا ثلاثة أديان «اليهودية ــ المسيحية ــ الإسلام» ولكل ديانة كتابها وأنبياؤها ورسلها ومن هنا جاء الصراع.

 

المشكله أن الصراع لم يكن إطلاقا بين الأنبياء والرسل وبعضهم البعض، لكن كان وما زال بين البشر الذين يؤمنون بهم كل بطريقته وبسبب اختلاط الدين بالسياسة والاقتصاد والاجتماع ظهر فى التاريخ الإنسانى ما يسمى بالحروب الدينية، ورغم أن الحروب كانت لها أسبابها الواضحة وغير الدينية بالمرة مثل التوسع والاستيلاء على الأراضى أو الاقتصاد... إلخ، إلا أن الحكام والسياسيين كانوا يخلطون الأمور لعدة أسباب: أولها لكى يرتقوا بأسباب الحرب ويجعلوها أسبابا أخلاقية، فبدلا من القول إنهم يريدون الاستيلاء على أراضى الآخرين واغتصاب ثرواتهم وهذه مبادئ غير أخلاقية يقولون إنهم يقاتلونهم ويقتلونهم دفاعا عن المقدسات وعن الدين الذى يتبعونه هم وشعبهم وهو ما حدث فى الحروب الصليبية، حيث كان السبب الأساسى للحرب هو الأزمة الاقتصادية فى أوروبا وصراع الأمراء لكنهم رفعوا الصليب كشعار لهم، وصار الهدف هو تحرير المقدسات المسيحية من المسلمين المغتصبين لها، وهو ذات الأمر عندما توسع العثمانيون فى أوروبا وارتكبوا مذابح فظيعة فى بلاد البلقان وأيضا مع الأرمن بادعاء نشر الإسلام لكن الحقيقة لم تكن كذلك بل كانت لها أسبابها السياسية والاقتصادية.

 

وصبغ الحروب السياسية بالدينية له أكثر من فائدة فلها القدرة على حشد البشر وتحميسهم بقوة لأنهم يدافعون عن الله والإيمان والمقدسات، وبالتالى فالذى يـُقتل يستشهد ويكون مصيره الجنة، فى ذات الوقت الذى فيه يكون العدو بغيضا وكافرا يستحق القتل، وهو ذات الخطاب الذى يستخدمه الطرف الآخر فى الحرب.. أما الفائدة الثانية فهى أن الحرب تأتى بأوامر إلهية وليست بشرية والبشر عليهم الطاعة وأولهم الحكام فما بالك بباقى الشعب وهنا تتحول أسباب الحرب إلى أسباب روحية أخلاقية سامية، وتتحول جرائم الحروب من قتل وذبح وإهلاك وتدمير إلى مبادئ عظيمة وأخلاقيات متميزة، وهذه هى الكارثة الحقيقية، فتعبير القتل باسم الله والدفاع عن الإيمان بإبادة بشر هو تعبير متناقض فى ذاته لأن الله والإيمان به يدعوان للحياة والسلام وليس للموت والحرب.

 

 لكن لحسن الحظ أنه مع مرور الزمن اكتشف الإنسان مؤامرات الساسة ولم يعد فى عصر الحداثة ما يسمى بالحروب الدينية أو غير الدينية فقد انتشرت دعاوى السلام فى كل العالم، وبعد الحرب العالمية الثانية توافق البشر على رفض الحروب بشكل عام وبعد أن كان الذى يدعو إلى الحرب والقتال فى الاربعينيات والخمسينيات والستينيات بطلا قوميا عظيما أو قائدا دينيا لا يشق له غبار أصبح اليوم عدوا للسلام والتوافق بين البشر، وبنظرة عامة على خريطة العالم لا تجد للحروب أثرا إلا بين الدول المتخلفة، وهذه الدول أيضا نزعت نحو السلام مع جيرانها ولم تعد هناك قضية حدود لم تحل بصورة نهائية سوى قضية فلسطين، وهكذا انسحبت الجيوش التى تحمل رايات دينية على الدبابات والطائرات والأسلحة، فلا ترى مثل هذه الرايات الا فى بعض المظاهرات الغاضبة هنا وهناك وأصبحت الحرب الدينية تستخدم الإعلام من صحافة وسينما وفضائيات وصحف... إلخ.

 

●●●

 

من هنا أصبح الذكاء والفطنة والقدرة على استخدام هذه الوسائل هو الفيصل فى مثل هذه الحروب، ولقد تزامن هذا فى بلاد الشرق الأوسط مع ما يسمى بالربيع العربى والذى أنتج فى النهاية وصول تيارات دينية إلى سدة الحكم، وأصبحت الشعوب تتطلع إلى هؤلاء الحكام بآمال واسعه ليقيموا العدل بين البشر على اختلافهم فى الجنس أو العرق أو الدين لا بالقول فقط لكن بالفعل أيضا، فلم يعد لهم عذرا حيث كانوا يطلبون الحكم ليرسوا أخلاقيات ومبادئ الدين المطلقة، وها هم صاروا فى السلطه فتـُرى كيف دافع هؤلاء عن الدولة والدين؟ فوجئنا بأحد المحافظين فى إطار دفاعه عن الدولة والدين يلبس جلبابا سعوديا وبعد صلاة الفجر يتجه إلى المستشفى الأميرى للتفتيش ثم إلى مكتبه، ويصرح بأن عمله الأساسى هو الدعوة أولا ثم طلبات الجماهير!

 

وبالعودة إلى الشيخ/ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين نكتشف أنه رفض الجلباب وذلك حتى قبل ظهور الجلابيب السعودية الفخمة فقد رفض التصوف وجلبابه ومـّيز بين الروحانية الانعزاليه للمتصوفين والروحانية الاجتماعية، ورفض جلباب الأزهر، وقال عن رجاله لقد تحولوا إلى رجال دين بالمعنى التقليدى وهو يقصد رجال الدين المسيحى بجلبابهم الأسود، وأعلن بوضوح عن أن حركة الإخوان هى «حركة أفندية»، وهو بهذا ربما كان متأثرا بالاصلاح الدينى الأوروبى الذى رفض الكهنوت ورفض ما يسمى برجال الدين، فالإخوان ليسوا رجال دين لكن تنظيمهم هو «حركة أفندية» يقومون بواجبهم السياسى والاقتصادى والاجتماعى والحرفى كرجال دولة مع تقوى وورع وأمانة فى العمل وإتقانه، هذا هو تصور حسن البنا عن جماعته فترى من نصدق سيادة المحافظ أم مؤسس الجماعة؟

 

●●●

 

ثم فوجئنا بالقس تيرى جونس الذى أحرق القرآن فى وقت سابق وقد التف حوله بعض الموتورين من المتعصبين الأقباط فى المهجر، وساهموا فى إنتاج فيلم يسىء إلى الإسلام والرسول وهم يظنون أنهم بذلك يدافعون عن المسيحية ولم يدركوا أيضا أن عليهم أن يعودوا أيضا إلى المؤسس السيد المسيح الذى قال عنه الانجيل انه لم يكن يصيح ولا يخاصم ولا يسمع أحد فى الشارع صوته، «قصبه مرضوضة لا يقصف وفتيله مدخنة لا يطفئ» لقد كان السيد المسيح كله محبه للقريب والبعيد، بل وللذى يعاديه، لقد تعامل مع المختلفين معه بكل بذات الود والعطاء وقال لأتباعه أنتم ملح الأرض والملح يذوب فى الطعام ليعطيه طعما مميزا، فالذى يؤمن بالمسيح عليه أن يذوب فى وسط العالم لا أن يكون حادا أو صارما بعنف لكن تيرى جونس واتباعه ساروا عكس اتجاه الايمان المسيحى وأيضا ترى من نصدق هذه الجماعة المتطرفة أم المؤسس؟

 

وكان من المتوقع أن يتصدى لرد الفعل لهذا العمل الشائن التيار الإسلامى المستنير مع الحكام الجدد لكى يفوتوا الفرصة على هذه الهجمه البربرية التى تستهدف وحدة الأمة وتزرع الفرقة، لكن صمت الحكام والمستنيرين أدى إلى عنف شديد رأيناه فى مصرع السفير الأمريكى وثلاثه آخرين فى ليبيا، وفى مصر رفعت الرايات السوداء التى تعبر عن تنظيم القاعدة فهل قام هؤلاء حقيقة بالدفاع عن الإسلام فى الذكرى الحادية عشرة لأحداث 11 سبتمبر؟

 

●●●

 

فى الذكرى الأولى لأحداث 11 سبتمبر دعت الكنيسة الإنجيلية بأمريكا عشرين شخصا من عشرة بلاد نصفهم من المسيحيين لكى يتحدثوا عن التعايش المسيحى الإسلامى فى بلادهم، وقد دُعيت ومعى صحفيه من مجلة وجهات نظر، وقمنا بزيارة كنائس ومراكز إسلامية وجامعات ومدارس ثانوية، واستضافونا فى برامج تليفزيونية ولقاءات صحفية وكنا لا نتحدث سوى عن الحياة معا فى مصر بصورة واقعية وطبيعية أى أنه ليس كل المسلمين ينتمون لتنظيم القاعدة أو الجهاد أو أسامة بن لادن. وفى عام 2006 وبدعوة من وزارة خارجية الدنمارك بمناسبة نشر الصور المسيئة للرسول دعى إليها د.بهى الدين حسن، سافرنا ومعنا الصحفى صلاح عيسى وقمنا تقريبا بما قمنا به فى أمريكا. إن العالم مستعد أن يسمع صوت العقل الذكى الذى يدافع عن إيمانه بهدوء وحب وواقعية.

 

 والسؤال ترى ما هو الانطباع العالمى عن العالم الإسلامى بعد مرور 11 سنة على أحداث 11سبتمبر؟! هل تغير فكرهم الذى يربط بين الإرهاب والإسلام أم ازداد رسوخا؟ وما هو الدور الذى يجب أن يقوم به التيار الدينى الحاكم والمثقفون العرب من مسيحيين ومسلمين للدفاع عن وجودهم المتحضر وإيمانهم بالله الواحد ووطنهم الواحد ومصريتهم الواحدة وربيعهم العربى؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved