لب البطيخ

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: السبت 20 يونيو 2020 - 9:05 م بتوقيت القاهرة

استفاقت من خواطرها. لم تكن لسعة الذكريات سامة، بل تشبه لسعة البرد في ليالي الشتاء أو نسمة صيف رقيقة من النوع الذي يُنشط ويُحفز الانتباه. تجلس كعادتها في شرفة المنزل ساعة العصاري، منتصبة مثل نخلة عجوز أو زيزفونة عنيدة. تغيرت عليها المواسم وتبدلت، أصابها الوهن، لكنها مستقرة في مكانها، لديها إحساس بالفخر وبالارتياح لأنها قامت بواجبها خير قيام. تراقب بلامبالاة الصبايا اللواتي يتنزهن أسفل البناية وهى في عليائها تطل على شجرة المانجو وتُدلك أصابعها المقوسة والمتورمة بسبب الروماتويد، تدهنها من علبة "الفيكس". تهب رائحة الرطوبة عندما تستعد الجارة لري الزرع وتمشية الكلب. تتدفق المياه بغزارة من الخرطوم وتشع رائحة العشب. في مثل هذا التوقيت وخلال موسم البطيخ لا يكتمل طقس ساعة العصاري سوى بالتسالي التي تصنعها من لب البطيخ. غسلته جيدا وأضافت إليه الماء والملح، وتركته يجف، ثم حمصته على النار برفق حتى استوى وطلب الأكالة.
***
وجوه النساء تفضح ما في العقول وفي القلوب، وهي بنت حلال، حنونة ولا تكذب. ينطبق عليها المثل القائل "الشاطرة تغزل برجل حمار"، فهي دوما تحضر أشياء طيبة المذاق ومفيدة بأقل القليل. تعرف بالطبع أن هذه البذور صحية بحكم أصولها الفلاحية، حتى لو لم تستوعب كل فوائدها، فهي غنية بالفيتامينات والمعادن والأحماض الدهنية غير المشبعة، وبالتالي تساعد على الحفاظ على مستويات السكر في الدم وعلى خفض الضغط المرتفع ونسبة الكولسترول السيء وتحسين عمل الجهاز العصبي، كما تحمي من النوبات القلبية ومظاهر الشيخوخة.
تقبلت زحف هذه الأخيرة على أيامها بصدر رحب، وصارت تقاومها أحيانا بالغذاء، لكن دون غرور وعناد. قزقزة لب البطيخ، وكذا أكل "السريس" أو الهندباء والفجل والجرجير مع قليل من الجبن الأبيض، كلها من عوامل سعادتها البسيطة التي لا تكتمل إلا بحضور الأحباء. ظلت مهمة في حياة هؤلاء، رغم آلام المفاصل والأوجاع المستمرة. احتفظت بمكانتها، دون أن تكون ضمن من يرغبون في ملاحقة الزمن لما ألم بهم. لا شراهة، ولا حنق. لا ركض وراء تصفية الحسابات. لا إصرار أن العمر لا يمر، لكن حرص على أن تكون حاضرة، ألا تتحول إلى عبء، بعكس بعض ممن هم في مثل عمرها الذي لا تعلمه بالتحديد لأنها ساقطة قيد، أي لم تقيد في السجلات ولا تعرف تاريخ ميلادها على وجه الدقة.
***
تجر نفسا عميقا وهي تثني رأسها إلى الخلف. تذهب في رحلة إلى أقاصي الحياة وهي تجلس في "البلكونة". تغفو وتصحو، ثم تغط في سبات عميق. تستيقظ على صوت الأذان المنطلق من المسجد في نهاية الشارع، تصلي دون أن تغادر مكانها الأثير، فهو أفضل كرسي من حيث الموقع. ازدادت تدريجيا مساحات النوم والصمت، وهي التي اشتهرت بقصصها الأقرب إلى الخيال والتي برعت في روايتها. أخذت القصص تتراجع. لم تعد تحكي وتثرثر كما في السابق. قلت رغبتها في الكلام والحديث، وأكسبها الصمت جلالا وحضورا.
بين ساعة وأخرى تلتقط طبق لب البطيخ من أسفل المقعد، وتدغدغه بما تبقى من أسنانها الصغيرة البيضاء. أكله يقوي الذاكرة، وهي لا تريد أن تفقد منها شيئا. تقاوم فقدان الحواس والأهمية على طريقتها. لا تنزعج، تعرف أن الموت آتٍ لا محالة، لكنها لا تنتظره ببؤس، بل تدغدغ بذور البطيخ من موسم لموسم وتتمتم دعواتها الخافتة: "يا رب يا رحيم، يا قادر يا كريم، يا غفور، يا مستجيب. ارحمنا وخلصنا من هذا العذاب والبلاء". صوتها الوحيد يأتيني من بعيد، يرن في أذني كما لو كان بالأمس، أحن إليها وإلى لب البطيخ المحمص، أستحضر دعواتها الخافتة في الأيام الحالية وقد ازدادت كلماتها حضورا رغم الغياب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved