كريستينا وأبو بكر البغدادى.. هل يعيشان فى زمن واحد؟

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: السبت 19 يوليه 2014 - 8:15 ص بتوقيت القاهرة

نشر بصحيفة عربية خبر يقول: فوز «راهبة صقلية» يشعل مسرح «ذى فويس»، والمضمون هو أن الأخت كريستينا وهى راهبة من صقلية فازت بلقب برنامج الهواة «ذى فويس» فى نسخته الإيطالية، وكانت بالطبع قد تواجدت فى البرنامج على مدى أسابيع فى منافسة قوية وحادة مع المرشحين الآخرين، وقد أثارت على مدى البرنامج حماسة ملايين الأشخاص فى إيطاليا والعالم. وما إن أعلن فوزها على منافسها مغنى الروك الشاب جاكو موفولى بحصولها على نسبة 62% من الأصوات حتى دعت الحضور إلى تلاوة صلاة «أبانا الذى فى السماوات ليتقدس اسمك.. إلخ» وهى صلاة تقليدية تكرر فى كل العبادات تشبه تلاوة الفاتحة فى الإسلام، وقالت الراهبة البالغة 25 عاما بعد تسلمها الجائزة إن هذا حلم، ثم شكرت مدربها مغنى الراب لأنه «حماها» من الذين كانوا ينتقدونها.

ومنذ اختيرت للمشاركة فى المسابقة استمرت حماسة الجمهور لها بالارتفاع مسجلة أرقاما قياسية إلا أن الراهبة الشابة لم تحظ بالإجماع فى إيطاليا ويرى نقاد موسيقيين أن نجاحها عائد أكثر إلى الرمز الذى تمثله فى بلد متأثر كثيرا بالكاثوليكية وإلى الاهتمام الإعلامى، أكثر منه إلى موهبتها الغنائية وقبل فوزها باللقب أرجعت نجاحها المتوقع إلى «التعطش إلى الفرح» وقالت «إن هذا كله حصل بسبب العطش إلى الفرح والحب ورسائل الجمال والنقاء» وحتى اليوم لم يصدر الفاتيكان أى رد سلبى لما قامت به وقد علقت الراهبة على ذلك بالقول «إن البابا فرانسيس يتحدث عن إنجيل الفرح.. أعتقد بأننى على الطريق الصحيح» ووصفت كريستينا نفسها بأنها «خادمة متواضعة» مؤكدة أنها سعيدة جدا للعودة إلى حياة طبيعية إذ قرر المسئولون عنها فى حياتها الرهبانية إنهاء مسيرتها الإعلامية وعادت لترنم وتغنى فى الكنيسة تقول: أنا مسرورة جدا لأننى أغنى مع شبان فى الكنيسة ترانيم وأغان دينية أو فى المدرسة وسأستمر فى الغناء.

•••

والسؤال هو: لماذا سمح لها المسئولون فى رهبنتها ولأول مرة فى التاريخ بأن تتقدم إلى المسابقة؟ ولماذا أوقفوا مسيرتها؟! لقد كان الهدف هو تصدير رسالة إلى العالم تعلن إن الدين بل أى دين لا يتعارض مع الفرح والغناء والبهجة والفن بشكل عام. والتراث الإسلامى ملىء بمثل هذا الفكر والطرب والشعر المغنى، ولا يوجد أى تعارض بين الدين كوحى من الله وبين الغناء والشعر كإلهام للإنسان، ومن أجمل ما أبدع الشعر العربى فى هذا المجال وغنته السيدة أم كلثوم «القلب يعشق كل جميل» و«ولد الهدى»، و«رباعيات الخيام» والتى أبدع ترجمتها أحمد رامى حيث يعبر عن موقف وجودى عبر عنه الفقهاء واللاهوتيون بصعوبة شديدة ووقع خلاف فى تفاصيله وهو موقف الإنسان من الله وذاته والآخرين وقد وجه حديثه إلى الله هاتفا «يا عالم الأسرار علم اليقين» ثم يهتف ثانية «يا قابل الأعذار»، والمعنى هنا ان الله وحده له الحق فى دينونة الإنسان أو الصفح عنه ولا يحق لإنسان مهما كان منصبه الدينى أو مؤسسة دينية أن يحاسبوا أو يصفحوا لأنهم ببساطة لا يعلمون الأسرار التى دفعت الإنسان إلى الخطأ أو فعل الخير. هذا فضلا عن تراث رابعة العدوية، ومن أروع ما كتب فى هذا المجال ما قاله المتنبى وأنشده صباح فخرى «قل للمليحة ذى الخمار الأسود.. ماذا فعلت بناسك متعبد» والناسك يقابل الراهب وهما الاثنان بشر والحب الإلهى ينعكس فى حب البشر فعندما يملأ الله قلب الانسان يمتلئ قلبه بحب الناس والكون والطبيعة والطير والحيوان.

•••

ويقول سيجموند فرويد إن ما يميز الإنسان المتحضر هو الإحساس بالجمال بل إن الإنسان البدائى بدأ فى التحضر عندما أحس بالجمال المحيط به ويضيف غير أن البشر ليسوا جميعا مهيئين للانضمام لركب الحضارة لذلك يتخلف بعضهم عن السير فى طريقها، ويأخذون طرقا أخرى نهايتها الموت والفناء ودليلنا على ذلك الخبر الذى نشر أيضا فى نفس الصحيفة بعنوان (« دولة البغدادى» تهدد من لا يبايعها بقطع الرأس) من خلافة الزرقاوى إلى خلافة المسلمين، ولقد عرضت الفضائيات إعدام مدنيين بقطع رءوسهم بلا محاكمة لقد أثارت داعش الفزع باسم الدين ثم تحولت إلى «دولة الإسلام» والتى بدلا من أن تبث الراحة والطمأنينة والأمان والفرح والبهجة بثت الموت والدمار والخوف فى النفوس باسم الدين وشعارهم «أعداؤنا أوغاد لأنهم يحبون الحياة أما نحن فنحب الموت». وفى هذا السياق تناقلت وكالات الأنباء العالمية معلومات عن قيام عناصر «الدولة الإسلامية» بالاعتداء على الأقليات المسيحية والشيعية والإيزيديين فى مدينة الموصل وسهل نينوى، وعملوا على تهديم عدد من الكنائس ودمروا محتوياتها وخطفوا راهبتين وثلاثة أيتام. والمشكلة الحقيقية هنا أنهم يعلنون بأنهم الوحيدون الذين يعبرون عن الدين الحقيقى والدين منهم براء.

إن جميع الذين يحبون الله يحبون الحياة ويحسون بالجمال المحيط بهم سواء فى البشر أو الكون من جميع الأديان تجمعهم دائرة واحدة والذين يحبون الموت ويكرهون الحياة ويتبنون العنف من جميع الأديان تجمعهم دائرة واحدة أخرى. والسؤال الذى يدعو للحيرة الحقيقية يقول:

ترى هل حقا يعيش كل هؤلاء معا فى زمن واحد؟! وكيف؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved