الموازنة بين الفقراء والأغنياء

محمود الخفيف
محمود الخفيف

آخر تحديث: الأربعاء 19 يونيو 2013 - 2:45 م بتوقيت القاهرة

على الرغم مما يبدو على الموازنة العامة للدولة من تعقيد ومما قد يفهمه البعض عن كونها موازنة بين إيرادات ومصروفات عامة، إلا إنها في حقيقة الأمر هي موازنة بين خيارات سياسية واجتماعية تعكس انتماءات الحكومة الآنية والمستقبلية.

 

فمن خلال الموازنة تحدد السلطة الحاكمة ان كانت ستلجأ لضغط الإنفاق أو لزيادة الإيرادات، وممَن تُجبى الإيرادات وعلى مَن تُنفق، ومتى تُحَصل الإيرادات ومتى تُنفق.

 

فمثالاً لو كانت النسبة الأكبر من الإيرادات تُجبى من الفقراء والنسبة الأكبر من المصروفات تخصص للطبقات الأكثر غنى، فهذا مؤشر لميل الحكومة للطبقات الغنية.

 

وفي حالة مَنح المستثمر الأجنبي إعفاءات ضريبية في صناعات يمكن للمستثمر الوطني ان ينمو ويكبر فيها، فيشير ذلك لمناصرة الشركات الأجنبية الكبرى وإهمال الصناعة الوطنية. أما لو اقترضت الحكومة لتزيد من إنفاقها الآني، فهذا يشير لإرضاء أو استرضاء الجيل الحالي على حساب الأجيال القادمة التي ستسدد القروض.

 

وحينما تقلل الحكومة من نسبة إنفاقها على المصروفات الجارية وتزيد من الإنفاق على الاستثمارات التنموية لتدر نفع عام في المستقبل (السد العالي كمثال)، فهذا يدل على رؤية مستقبلية وميل لتحفيز الجيل الحالي لصنع حياة أفضل للأجيال القادمة.

 

وكل هذه خيارات صعبة، وبالأخص مع قلة الإيرادات العامة والتي تقلص من حيز الحركة المتاح لصانع القرار، ولكن الأكيد أن لكل من هذه الخيارات كلفة ومكاسب تختلف من طبقة اجتماعية إلى أخرى، ولكنها في نهاية الأمر خيارات تعكس الانتماءات السياسية والوطنية والطبقية للسلطة الحاكمة.

 

ما أود التعرض له هنا ليس التفاصيل بل الاتجاه العام لموازنة السنة المالية 2013-2014، وهل حدث تغير هيكلي في تركيبة الإيرادات والمصروفات بما يعكس تغير حقيقي في خيارات السلطة الحاكمة لتلبية مطالب الثورة من عدالة اجتماعية وكرامة وخبز؟

 

•••

 

 

وبمقارنة موازنات ما قبل وما بعد الثورة، لا يمكن ملاحظة تغير جوهري في تركيبة هذه الموازنات من حيث الإيرادات وعلى من تقع عليهم أعباء جمعها، ولا من حيث توزيع الإنفاق والطبقات المستفيدة منها.

 

والأمر الأخر هو أن التوجه لسد عجز الموازنة هو تقريبا نفس التوجه الذي كان متبع قبل الثورة، وهو مبني على فلسفة توافق واشنطن (صندوق النقد والبنك الدوليين والخزانة الأمريكية) والذي اتُبِع في الأربع عقود الماضية وأدى إلى ما نحن فيه من زيادة الهوة بين الفقراء والأغنياء ومن تخلف وخصخصة واحتكار وفساد وتبعية.

 

ولذلك تميل موازنة 2013-2014 لسد العجز عن طريق ضغط المصروفات مع عدم الاعتناء بزيادة الإيرادات الغير ضريبية أو الحصيلة الضريبية من الأغنياء، بل على ما يبدو أن الموازنة الجديدة أكثر جرأة من موازنات ما قبل الثورة في تلبيتها لتوصيات صندوق النقد وبالأخص فيما يتعلق بتقليل الدعم.

 

وتوصي موازنة 2013-2014 بعدد من الإجراءات لتخفيض العجز، فعلى جانب الإيرادات يتضح أن المصدر الرئيسي للزيادة هو ضريبة المبيعات وزيادة عدد السلع والخدمات الخاضعة لهذه الضريبة والانتقال لضريبة القيمة المضافة، أي زيادة الضريبة على الاستهلاك، ومن المتوقع أن تزيد حصيلة هذه الضريبة بنسبة 50%.

 

وهذا النوع من الضرائب "غير عادل" ويناقض مبدأ العدالة الاجتماعية، حيث يتحمل عبئه الأكبر الطبقات الفقيرة ويؤثر سلبا على الدخل المتاح للفقراء ولكن تأثيره طفيف على الأغنياء، وذلك لأن جزء كبير(80-90%) من دخل الفقراء يُنفق عادةً على الاستهلاك أي أن 80-90% من دخل الفقراء خاضع لهذه الضريبة، أما في حالة الأغنياء، فنجد ان جزء صغير (10-20%) من دخولهم يُنفق على الاستهلاك وهذا يعني ان من 10-20% فقط من دخل الأغنياء خاضع لهذه الضريبة، أي كلما ازداد الإنسان فقرا كلما اقِتَطعت الحكومة جزء أكبر من دخله. ونفس الأمر ينطبق على الزيادة المتوقعة في ضريبة الاتصالات الدولية والمحلية.

 

 

ولكن في نفس الوقت، كانت الموازنة رحيمة مع الأغنياء، مِمَن يكسبوا أكثر من ربع مليون جنيه في السنة، ولم تغير شيء في ضريبة الدخل لتطبيق مبدأ تصاعدية الضريبة مع تزايد الدخل لتحقيق العدالة الاجتماعية، هذا مع العلم أن نسبة هذه الضريبة في مصر على شرائح الدخل العليا 25% فقط (تصل لـ50% في كثير من الدول الرأسمالية).

 

وكذلك كانت الموازنة رحيمة مع أصحاب الدخول المرتفعة في الحكومة والقطاع العام، حيث مازال تطبيق الحد الأقصى للدخول قيد الدراسة، على الرغم أن ذلك يمكن أن يحقق عدالة اجتماعية وفي نفس الوقت يخفض عجز الموازنة. كذلك كان الحال مع أغنياء البورصة (مصريون وأجانب) فلم تُقتَرح أية ضرائب على تعاملات البورصة وأرباحها أو على أرباح تزايد رأس المال.

 

ولم تلجأ الحكومة لزيادة إيراداتها غير الضريبية من قطاع البترول والغاز رغم إمكانية ذلك، حيث أن فائض الحكومة من هذا القطاع في حدود 10% فقط من قيمة صافي إنتاجه. وأشار مشروع الموازنة لإمكانية إصدار صكوك لتمويل العجز، مما يثير شكوك حول النية لمواصلة خصخصة ممتلكات الشعب المصري ولكن في ثوب جديد.

 

•••

 

وفيما يتعلق بجانب المصروفات، فأن أكثر من 85% من المستهدف توفيره سيأتي عن طريق تخفيض الدعم على استهلاك الشعب من السولار والبنزين والبوتاجاز ولم يتأثر الدعم للصناعات كثيفة الإستخدام للطاقة.

 

ولكن الموازنة لم تشير لأي توفير من الـ180 مليار جنيه فوائد على الدين المحلي والتي تمثل أكثر من ربع الإنفاق العام، رغم إمكانية تخفيض جزء كبير من هذا الإنفاق عن طريق تقليل هامش الفائدة (السمسرة) الذي تستحوذ عليه البنوك المقرضة للحكومة، ولكن هذا يعني تخفيض أرباح البنوك ويبدو أن هذا أمر لا تميل إليه الحكومة طالما ممكن التوفير عن طريق الضرائب على الفقراء وتخفيض الدعم.

 

ولذلك يبدو أن الموازنة الجديدة لا تحيد كثيراً عن موازنات ما قبل الثورة ولا تريد اغضاب المستفيدين من النظام السابق، وهذا لن يؤدي إلا لمزيد من اغضاب من هم أصلا غاضبون من الفقر وسوء الأحوال المعيشية ومن قاموا بثورة لم تنتهي بعد.

 

البديل هو عدم تخفيض النفقات بل جعلها أكثر كفاءة لتستهدف الفقراء، وزيادة الإنفاق الاستثماري لمستقبل أفضل، وزيادة الإيرادات الضريبية من الأغنياء والغير ضريبية من القطاعات الغنية (بترول وبنوك وقناة السويس...).

 

ولكن يبدو أن السلطة الحاكمة مازالت مقتنعة بفلسفة "توافق واشنطن" وتوصيات صندوق النقد، والتي تفترض أن الغني حين يزداد غنى سيغدق على الفقير بصدقات أكبر، وستنساب أموال الأغنياء ((trickle-down effect لأسفل الهرم الطبقي.

 

إن مواصلة السير في هذا الاتجاه قد يغير الشخصيات على قمة طبقة الأغنياء، ولكنه لن يكون منصف للفقراء ولمستقبل مصر ولن يخلصها من التبعية المفروضة عليها منذ السبعينات. يجب أن نأخذ عظة من نتيجة تطبيق النظام الساقط لتلك الفلسفة لأكثر من ثلاثة عقود، ويجب أن نتبع سياسات لزيادة الدخل المتاح للفقراء ليس من باب الشفقة والأخلاق الحميدة فقط ولكن بالأساس لأنها السياسة الأقتصادية الأنسب لظروف مصر التنموية.    

 

هذا المقال يعكس رؤية الكاتب وليس بالضرورة رؤية المؤسسة التي يعمل بها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved