هل تحس أن الآخر سخيف؟

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الجمعة 19 مايو 2017 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

هناك جملة تتكرر كثيرا هذه الأيام (فلان سخيف أو فلانه) ونطلق حكمنا هذا على شخص لم يعجبنا منه تصرف معين بل أحيانا ينتابنا شعور بسخافة الشخص، لا لأجل تصرف معين لكن لأننا لا نقبله بوجه عام أو كما يقول البعض (هو على بعضه كده) فنسمع من يقول: إن أستاذى أو زوجى أو زوجتى أو زميل العمل أو جارى سخيف، وإن حاولنا أن نسأل أنفسنا عن معنى «سخيف»... يأتينا الجواب مختلفا من واحد لآخر، فواحد يقول دمه ثقيل وآخر (غلس) وثالث غبى وأخير يقول غير مقبول، ولعلك تلاحظ عزيزى القارئ أن هذه الصفات ليست مترادفات، عندئذ لابد أن نسأل أنفسنا ترى ذلك الشخص الذى نشعر تجاهه بهذا الشعور هل يتفق معى آخرون فى الحكم عليه هكذا؟ ربما لا أجد أحدا يتفق معى وربما أجد شخصا أو أكثر وربما أجد أغلبية ممن أعرفهم لديهم نفس الإحساس لكن عندما أحاول أن أحدد مجال عدم القبول سوف أكتشف عجبا، فإذا كان تصرفه مرفوضا منى كفرد ربما يقبله الآخرون وإن رفض من جماعة ربما يقبل من جماعة أخرى أو يقبله باقى المجتمع، وإن كان غير مقبول من باقى المجتمع ككل فعلى الأقل هو مقبول فى مجتمع آخر. ومن الأمور التى تحدث معنا كثيرا أن يكون الواحد منا سائرا مع صديق حميم ثم يظهر صديق قديم لنا نحن الاثنين ويحيينا ونحييه، وبعد أن يتركنا يقول الصديق هذا الشخص حقيقة فى منتهى اللطف وإذ بى أقول العكس هو الصحيح دمه ثقيل جدا. ونكمل مسيرنا دون أن نتوقف لنسأل أنفسنا لماذا اختلفنا فى التقييم لذات الشخص؟ وإذا اتفقنا أن القبول أمر نسبى يختلف من شخص لآخر، فلماذا يظهر ذات التصرف سخيفا وغير سخيف فى اللحظة نفسها؟ هذا يرجع إلى معايير حكمنا على الحيثيات التى حكمنا بها أو بنينا عليها الحكم، وهذه المعايير تختلف من شخص لآخر تبعا لخلفيته وثقافته والقيم التى بنى عليها حياته وأحكامه سواء بوعى أو بغير وعى، وأيضا الحكم يعتمد على مدى علاقتنا بالشخص الذى نحكم عليه إن كان أخا أو صديقا أو حبيبا أو كان منافسا أو غريما أو ناجحا فيما فشلت فيه، ليس هذا فقط بل إن الحكم يعتمد أيضا على اختلاف الزمان والمكان، فالتصرف الذى كان يعتبر عاديا من خمسين عاما صار اليوم مستهجنا أو غير مقبول والعكس، فعندما تتطلع إلى البشر الذين كانوا يسيرون فى الشارع أو يحضرون حفلا تجدهم فى معظمهم يرتدون الطربوش والبدلة كاملة والحذاء نظيفاَ والنساء يلبسن مثل نساء العالم المتدين، وأكثر من ذلك فإن الحكم يختلف باختلاف المكان فتصرف ما يعتبر سخيفا فى الصعيد ربما يكون عاديا فى القاهرة أو الإسكندرية، وإن كان هذا فى بلدٍ واحد فما بالك لو قارنا تصرفات الفرد بين مصر وأفريقيا أو أوروبا.
***
بالعودة إلى علم النفس لفهم مثل هذه الظاهرة نجد أنه لا يوجد ما يسمى الحب من أول نظرة أو الرفض من أول وهلة، فإذا أحببت شخصا ما من أول نظرة عليك أن تبحث فى داخلك عن الدافع الذى جعلك تنجذب له هل هو يشبه أحد تحبه أو أحببته من قبل؟ أما إذا رفضته وكرهته فلابد أن ترجع لنفسك وتبحث داخلها عن السبب الذى دعاك للكراهية، وسوف تكتشف أن هذا الشخص قد كشف عيبا ما داخلك فأنا مثلا استمعت لكثيرين يشكون أنهم التقوا أحد الأشخاص المعروفين وطلبوا منه موعدا للقاء وإذ بالرجل يخرج أجندته أو محموله ويبحث عن موعد مناسب له ثم يقول للشخص الطالب بكل لطف يمكن أن نتقابل بعد أسبوع من الساعة الخامسة حتى السادسة، وإذ بطالب الموعد يغضب ويصف الرجل بالكبرياء والأنفة والدم الثقيل... إلخ، وهنا يقول علم النفس إن الشخص الذى يكون رد فعله هكذا هو فوضوى فى حياته وغير منظم ولا يحترم وقت الآخرين، ولهذا اصطدم بالشخص المنظم فتعرى أمامه وظهر عريه أمام عينيه هو والآخرين فما كان عليه إلا أن يحمل من كشف فوضويته انهياره الداخلى، وهو يفعل ذلك دون أن يدرى لأنه لو أدرك خطأه لتعلم وتغير إلى الأفضل، لكن لأنه لا يدرى فلن يصبح منظما لكنه سيهاجم كل إنسان منظم ليستر عُرى فوضويته.
إذن السؤال هو لماذا أرى الآخر سخيفا؟ هنا يجب أن أصارح نفسى بأن هناك شيئا ما فى تكوينى يجعلنى غير قادر على قبول الآخر. فالعيب ليس فى الآخر بل فى نظرتى له، وعليَّ أن أسأل نفسى وأصارحها هل هناك شيء ما فى تكوينى الداخلى يجعلنى غير قادر على قبول الآخر، فتكوينى الداخلى يرجع لطفولتى والتعليم الذى تلقيته سواء كان دينيا أو علميا والقيم التى تربيت عليها؟ كيف أتناول طعامي؟ كيف أسير؟ كيف أجلس؟ كيف أصلي؟ كيف أتعامل مع الأكبر منى والأصغر؟ كيف أتعامل مع النساء؟ وعندما ألتقى بشخص ناضج أخلاقيا إذ به يكشف ما فى داخلى من نقص وفوضى وهمجية وعنف، وكأنه أتى بمرآة ووضعها أمام وجهى فكشف كل النقائص والتشوهات النفسية التى بداخلى وأنا أحاول جاهدا أن أخفيها فأخدع نفسى والآخرين، وفى محاولة للنجاة من مواجهة داخلى القبيح أقوم بالهجوم العنيف على من لم يؤذنى ولم يهددنى ولم يحتقرنى، لكن مجرد ظهوره بجانبى يكشف كل نقائصى العلمية والأدبية والتربوية والأخلاقية والدينية، فالعيب ليس فى الآخر المختلف بل فى نظرتى له ترى من أى منطلق حكمت عليه بالسخافة وعدم القبول هل من منطلق الغيرة؟ أم الحقد؟ أم التعصب؟ وقد غلفت هذه المنطلقات بمنطلقات أكثر جمالا وقبولا مثل العادات والتقاليد والأعراف والدين.
***
تقول القاعدة العامة إنه لا يوجد إنسان غير مقبول؛ فقد قَّسم أحد علماء النفس البشر كالفواكه فهناك بشر كالتفاح والجوافة لهم رائحة جاذبة سهل قبولهم وتناولهم، أصحاب نكتة اجتماعيون يسخرون حتى من أنفسهم، وهناك نوعية أخرى من البشر قلبها جميل وحلو وحلاوتهم لا تقل عن الجوافة والتفاح وهؤلاء يطلق عليهم البرتقال والبطيخ، وهؤلاء الناس يحمون أنفسهم من الخارج بقشرة خارجية كالخجل مثلا أو نوع من الحياء أو غير اجتماعيين انطوائيين على ذواتهم، وهذه النوعية من البشر تحتاج منا إلى مجهود لنزع القشرة الخارجية وسنكتشف كنوزا فى داخلهم، أما النوعية الثالثة فهى تشبه ثمرة جوز الهند وهذه الثمرة تحتوى فى داخلها على أحلى سائل فى الوجود يمكنك أن تذوقه، لكن مشكلته أن قشرة جوز الهند جافة جدا وقاسية وشجرتها عالية جدا، لكن هناك قردة مدربة على الصعود حتى أعلى نقطة فيها ثم تقطف ثمرة جوز الهند بقوة وتلقيها على الأرض فيجمعونها ثم يخلعون ما عليها من اللوف ولكى يخرجوا السائل الذى لا مثيل له فى حلاوته، يأتون بشاكوش وإزميل أو سكين ويفتحون الثمرة بقوة ويشربون أحلى شراب ما لا يمكن أن يتذوقونه فى حياتهم، وهذه النوعية من الشخصيات هم الذين يتسمون بالغرور و الكبرياء والبعد عن الناس، لكن إذا بذلت معهم جهدا صادقا وتحملتهم قليلًا سوف تكتشف كنوزا لا مثيل لها. هذه النظرية تقول هناك نوعيات من البشر معدنها جيد وأساسها جيد قابلين للتغير عندما يكتشفون أخطاءهم، وهؤلاء هم التفاح والجوافة والبطيخ والبرتقال وجوز الهند، وهناك بشر أساسهم سيئ غير قابلين للتغيير مهما حدث وأصلهم مر ومملوئين حقدا وضغينة وكراهية. المشكلة هنا فى الجو العام للمجتمع وهل هذا الجو العام والذى تمثله المؤسسات التعليمية والدينية والفكرية والإعلامية يشجع كل من هو تفاح وجوافة، ويساعد البرتقال والبطيخ على التخلى عن قشرته الخارجية الجافة نسبيا ويكسر ثمرة جوز الهند الصلدة ليستمتع المجتمع بحلاوتهم ونقاوتهم ورائحتهم الجميلة النفاذة، ويزرع كل أراضيه من هذه النوعية فتنتج أجيالا بعد أجيال وكل جيل يكون أفضل من سابقه، أم يترك أراضينا لتمتلئ بأشجار الشوك والمر والعلقم والصنوبر فتتصحر الأراضى الخضراء لتصبح جرداء قاحلة بلا نهر أو مطر، بلا عشب أو ثمر بلا سماء أو قمر بلا شاعر أو نغم، فلا يزهر التين ولا يكون حمل فى الكروم يكذب عمل الزيتونة والحقول لا تصنع طعاما ينقطع الغنم من الحظيرة ولا بقر فى المذاود.
***
تُرى ما هو اختيارنا؟ هل نترك مصر تتصحر أم نروى صحراءنا بعرقنا ودموعنا؟ القرار مازال فى أيدينا والأجيال القادمة تنتظر ما سنفعله لنا ولهم وجيراننا التى خربت بلادها تتعلق بنا والعالم المتحضر ينادينا وسرطان العنف والتخلف يتربص بنا. أنا متفاءل فماذا عنك عزيزى القارئ؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved