لا حرية أو دولة دون دستور وعقل

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الخميس 18 أكتوبر 2012 - 10:10 ص بتوقيت القاهرة

يرجع الفضل فى وصول العباسيين إلى الخلافة ودحرهم للأمويين عام 132 هجرية حوالى 1775 م إلى البناء التنظيمى للجهاز السرى العباسى، والذى كان يرأسه الإمام المستتر الذى يخطط للدعوة ثم الدعاة وعددهم ستة فقط يختارهم الإمام ممن يثق فى ولائهم ويحدد لهم مناطق نشاطهم وكانوا على علم بأسرار الدعوة، ثم يأتى بعدهم النقباء فكل داعية يختار اثنى عشر نقيبا من الذين أتوا قدرات خاصة دعائية وعسكرية، ومهمتهم تنفيذ مخططات الدعوة وأخيرا يأتى العمال، فكل نقيب يختار سبعين عاملا يديرون الجهاز السرى على الأرض ينتشرون بين الجماهير فى المدن والقرى لتكوين الخلايا، ونتيجة لهذه العبقرية العباسية انتشرت دعوتهم خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن الثانى الهجرى.

 

وكان أول قرار لأبو مسلم الخرسانى الذى قام بالثورة هو استمرار التنظيم السرى العباسى على الرغم من وصولهم للحكم وقد برر قراره بعدة مبررات أهمها العمل على ترسيخ إيمان المسلمين بالخلافة العباسية وسياستها والحفاظ على المكاسب التى أحرزها الثوار وشرح وتبرير ومساندة أى قرار يخرج من ولاة الأمر وثانيها الكشف عن أعداء الثورة ومؤامراتهم، وثالثها مراقبة الولاة والعمال والوقوف على إلتزامهم بسياسة الدولة فى ولايتهم، وإخبار الخلفاء أولا بأول عن النواحى التى من شأنها إثارة خواطر الرعية وأخيرها تقديم المشورة والرأى عن أنجح الوسائل لاستمرار الثوار فى الحكم.

 

وفى نهاية القرن الثامن عشر اندلعت الثورة الفرنسية ضد طغيان الملكية ورفعت شعارات الأخوة والحرية والمساواة، وإذ بالثورة تأكل أبناءها، وفى الوقت الذى ازداد فيه الحنين الشعبى للعودة إلى الماضى بسبب الفوضى الضاربة، ظهر نابليون بونابرت وقام باسم القوانين الثورية الاستثنائية بتطبيق قوانين الغاب وألقى بالمفكرين والمستنيرين فى السجون، لكن الثورة الفرنسية ــ رغم كل ذلك ــ استمرت وانتصرت فى النهاية وحققت شعاراتها والسؤال: كيف؟! والإجابة هى أن الشعب الفرنسى نضج على نيران الاخفاقات التى مرت بها ثورتهم، فرغم الألم والعنف والسلطوية استمروا قابضين على ثورتهم بأياديهم كالجمر واستطاعوا من خلال فلاسفتهم ومنظريهم وشيوخهم وشبابهم ونسائهم أن يستكملوا مسيرتهم.

 

ومن أهم ما قرأته وأشاركك به ــ عزيزى القارئ ــ لأنه يلخص مشكلة الثورة المصرية والطريق إلى حلها، وعلى الرغم من أن هذه الكلمات كتبت منذ منذ أكثر من مائتى عام إلا أنها وكأنها كتبت لنا خصيصا هنا والآن، لقد كتبها مفكر وكاتب فرنسى يدعى بنجامين كونستان (1767 ــ 1830) فى كتابه «ردود فعل سياسية»، وتحت عنوان «لا حرية أو دولة دون دستور وعقل» وقد عرض هذا الجزء إبراهيم العريس فى جريدة الحياة الاثنين 8 أكتوبر 2012، يقول كونستان «إن مؤسسات شعب من الشعوب هى التى تضمن استقراره، فإن التغييرات السياسية للثورات تفسح المجال عادة لمكتسبات جديدة ولكن فى المقابل يجب احترام المؤسسات والقوانين، ومن هنا يجب على حكومة الثورة ليس فقط أن تكون محايدة وثابتة، بل عليها أيضا أن تقف بكل صلابة وقوة فى وجه أية محاولة لخرق القوانين فى الوقت الذى فيه يتعين عليها ألا تلجأ لأى طرف أو حزب أو فريق لكى تدافع عن نفسها كذلك يتعين عليها أن تكف عن اللجوء إلى أى عمل تعسفى يكون قادرا على ابقائها فى السلطة...أما الشعور لديها بأى شك وتردد تجاه المستقبل يدفعها لتحجيم الحرية وفى المقابل يجب ان يكون حب الحرية هو الحافز الأساسى الذى يحرك جهود الشعب الثائر من المخضرمين والشبان سواء بسواء، فإذا كان العجائز والمخضرمين يفتقرون إلى الإيمان والقدرة والحماس فإن على الشباب مجتمعى الصفوف أن يسيروا قدما وبكل حزم من أجل الدفاع عن مكاسب المجتمع، وفى وسط هذا النظام التدرجى والمنتظم لن يكون ثمة مكان لأية غيبية دينية، ولا لأى إنكار مشبوه للمثل العليا والإنسانية على أية حال».

 

بمقارنة ثورة العباسيين بالثورة الفرنسية نجد أن ثورة العباسيين انتهت وذهب ريحها بسبب ديكتاتورية الخلفاء واستبدادهم بالسلطة والنفوذ وذلك بعد خلافة المتوكل وما تلى ذلك من الغزو البوهيمى ثم السلجوقى للعراق فانهار نظام الخلافة وظهرت الدول المستقلة وانفرطت وحدة دار الإسلام، أما الثورة الفرنسية فقد تقدمت وتطورت من خلال دساتيرها وتمسكها بمبادئ الحرية والمساواة وحقوق الإنسان وأصبحت من أعظم دول العالم، وهنا نجد درسين لابد وان نتعلمهما:

 

الاول: العلاقة بين المكتسبات الثورية واحترام المؤسسات القائمة:

 

لقد كانت مكتسبات الثورة المصرية رائعة بدءا من شعاراتها ثم إسقاط النظام حتى صندوق الانتخابات وكان لابد لهذه المكتسبات أن يواكبها ولا ينفصل عنها ضرورة احترام القوانين والمؤسسات حيث ان عدم الاحترام يؤدى إلى التدهور والإخفاق وهو ما حدث بالضبط عندما لم نبدأ بالدستور وبدأنا بالانتخابات، وما حدث أيضا عندما قرر الرئيس إعادة مجلس الشعب المنحل بحكم قضائى هذا فضلا عن الأزمة التى وقعت بين الرئيس والمحكمة الدستورية وأخيرا أزمة إقالة النائب العام، إن السبب الحقيقى للفوضى التى نعيشها هذه الايام إنما تتلخص فى عدم احترام المؤسسات بحجة المكتسبات الثورية، إن الدول التى احترمت دساتيرها وقوانينها ومؤسساتها مثل تونس تقدمت أسرع منا بكثير ونالت احترام العالم وتعضيدة.

 

الثانى: العلاقة بين مستقبل الثورة ونوعية الدستور الذى يحكمها:

 

من المعروف أن الدساتير تحتوى على مبادئ عامة حاكمة، هذه المبادئ هى التى تشكل حاضر ومستقبل الدولة، فإذا كانت المبادئ الدستورية واضحة وإيجابية ترتقى بحياة الشعب وتقفز به إلى المستقبل، لذلك لا يجوز وليس من اللائق أو المنطقى أن تصاغ مادة دستورية إيجابية ثم تأتى جملة فى النهاية تفرغ المادة من مضمونها أو على الأقل تكون متناقضة معها، فمثلا المادة (36) التى تتحدث عن المساواة بين الرجل والمرأة فى جميع المجالات الثقافية والاجتماعية وغيرها تنتهى بجملة على ألا يخل بأحكام الشريعة الإسلامية، والمادة الخاصة بحق العبادة لغير المسلمين وتنص المادة على (المسيحيين واليهود) ثم يقول بما لا يخل بالنظام العام والقوانين المنظمة، وهذه الاستثناءات فى نهاية الفقرتين وغيرهما لا تجدها فى أى دستور فى العالم، لأن المبادئ العامة لا استثناء فيها، فأحكام الشريعة لها أكثر من تفسير فهناك أربعة مذاهب فقهية غير الفتاوى التى لا تعد ولا تحصى، والنظام العام تعبير غامض معناه القانونى ما توافق عليه المجتمع على مدى مئات السنين، فمن يا ترى الذى يحدد معنى النظام العام ولماذا النص على اليهودية والمسيحية بينما مصر تموج بالكثيرين المختلفين، ألا من احترام عام للإنسان كإنسان بغض النظر عن دينه أو لونه أو جنسه و هل الدستور يقيّم الإنسان بدينه ولونه وجنسه؛ وهنا يوصم الدستور بأنه عنصرى لا يتناسب مع العصر أو حقوق الإنسان وهكذا لا تدرج مصر ضمن بلاد العالم المتحضر أما تعبير «بما لا يخل بالشريعة الإسلامية» فهو يوحى بأن الشريعة ضد المساواة بين الرجل والمرأة فى بعض الحالات وهذا هو المفهوم اللغوى للجملة وأيضا هنا علامة استفهام وتعجب ترتسم على وجوه العالم الخارجى وعلى المرأة المصرية التى تتطلع إلى الثورة ودستورها بأمل جديد متجدد.

 

عزيزى القارئ لعلك تعلم بأن مصرنا تقف فى مفترق طرق بين ثورة العباسيين والثورة الصومالية ونموذج السودان من جانب وبين الثورة الفرنسية ونموذج تركيا وماليزيا واندونسيا، من الجانب الآخر بيننا من يريدها صومالا وسودانا وبيننا من يريدها فرنسية ماليزية تركية والمأساة أن بيننا من يهتف: نريدها تركية وماليزية فرنسية لكنه يتحرك بطريقة أفغانية صومالية سودانية، والعكس غير صحيح لأنه مستحيل، لذلك ففرصتنا أقوى لدولة مدنية ديمقراطية حديثة وذلك بحكم التاريخ والجغرافيا والعنصر الثالث أى الإنسان، وكل رجائنا ألا يخذل الإنسان المصرى تاريخه وجغرافيته أى حضارته فلا حرية أو دولة دون دستور وعقل.

 

 

أستاذ مقارنة الأديان

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved