ماذا حدث لمعدلات التضخم؟

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الإثنين 17 أغسطس 2020 - 11:30 م بتوقيت القاهرة

كانت ورشة عمل فى غاية الأهمية تلك التى أقيمت فى أعقاب قرار تحرير سعر الصرف بنهاية عام 2016 بحضور نائب سابق لمحافظ البنك المركزى، وعدد لا بأس به من قيادات الصفوف الأولى والثانية بمؤسسات الدولة المختلفة، وخاصة المؤسسات ذات الطابع الاقتصادى. كنت محظوظا لحضور الورشة التى دعتنى إليها جهة رقابية، أصغيت باهتمام للمتحدث الرئيس والذى جاء ممثلا عن محافظ البنك المركزى لتناول أبرز ملامح السياسة النقدية فى فترة ما بعد التعويم.
انصب اهتمام غالبية الحضور على انفلات معدلات التضخم السنوى وكيفية التحكّم فيها بعدما بلغت فى بداية عام 2017 ما نسبته 29,4% (وفقا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء) وكانت فى اتجاه صاعد منذ قرار التعويم حيث بلغت 13,8% عام 2016 صعودا من 10,4% عام 2015. كان رفع أسعار الفائدة هو السلاح الأبرز لكبح تلك الطفرة التضخمية فى أسرع وقت ممكن، وكانت أداة فاعلة لامتصاص فائض السيولة وإثناء الناس عن تفضيلها مع ارتفاع مخاطر الهبوط المستمر للعملة الوطنية، لكننى كنت أرى أن استمرار استخدام تلك الأداة لاستهداف التضخم بعد مرور عدة أشهر على قرار التعويم لن يؤتى ثماره المرجوّة، بل سيؤدى حتما إلى نتيجة عكسية، خاصة أن صدمة التعويم (والصدمة هنا تعبير اقتصادى وإحصائى) أصابت جانب العرض بشكل كبير وأثّرت على المعروض السلعى والخدمى بتأثيرها فى قرارات الاستيراد وقرارات الإنتاج التى تتوقّف على استيراد مدخلات رئيسية، بمعنى أن ارتفاع سعر الدولار (بفرض ثبات العوامل الأخرى) سيؤدى إلى ترشيد قرارات الاستيراد نظرا لأنه سيؤدى إلى ارتفاع سريع وكبير فى أسعار السلع المستوردة وبالتالى انخفاض حجم الطلب عليها.
***
يبقى أن يتم توفير احتياجات السوق الاستهلاكية لمائة مليون مواطن ومقيم بالقطر المصرى من خلال الإنتاج المحلى، ونظرا لارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج (المستوردة) بفعل التعويم، وارتفاع تكلفة الإنتاج بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، وارتفاع تكلفة الاقتراض بفعل رفع أسعار الفائدة بشكل كبير ومفاجئ، أصبحت الزيادة الكبيرة «المستحدثة» فى معدلات التضخم (مقومة بالرقم القياسى لأسعار المستهلكين) هى نتيجة مباشرة لصدمة فى جانب العرض، صدمة فى الاقتصاد الحقيقى وليست محفزة بزيادة المعروض النقدى، على الرغم من زيادة معدلات طبع النقود.
إذن المعضلة التى واجهت صانع السياسة النقدية هى معضلة تقليدية بين تبنّى سياسة نقدية توسعية (خفض أسعار الفائدة) تساعد على زيادة الإنتاج والتشغيل وخلق فرص العمل وزيادة المعروض السلعى والخدمى.. وبين تبنّى سياسة تقشفية (رفع أسعار الفائدة) تساعد على امتصاص المعروض النقدى لكنها تثبّط الاستثمار والإنتاج بغير شك.
أشفق على القارئ غير المختص مما تقدّم بما فيه من محاولة للتبسيط يحسبه المختصون مخلّا، ولن أتطرق إلى معادلة «فيشر» الشهيرة كى لا أورطه فى مزيد من التفاصيل المتخصصة. لكننى أحاول أن أقدم تمهيدا لاختلاف الرؤى فى احتواء الضغوط التضخمية، وأن هذا الاختلاف عادة ما يكون مؤقتا لأنه من المحتمل جدا أن تتغير وجهات نظر الفريقين بتغير أحد أو كل العوامل الأخرى التى افترضنا ثباتها مقدما للتبسيط. ما أذكره جيدا أننى قدّمت لرأيى باستعراض معدلات التضخم «الرسمية» منذ عام 2008 (سجلت فى بداية هذا العام 18,3%) حيث لم تنخفض فى أى وقت منذ ذلك الحين عن 10% إلا بداية عام 2012 مقارنة بعام 2011 وهو عام توقفت فيه معظم أنشطة الاقتصاد والحياة فى مصر بشكل لا يحتمل القياس عليه، حيث سجلت معدلات التضخم السنوى 7,1%. نحن إذن أمام نوعين من التضخم أحدهما تضخم سنوى «مزمن» أو «هيكلى» مشفوع بجانب الطلب وزيادة الاستهلاك كنتيجة طبيعية للنمو السكانى والاقتصادى على حد سواء، وهو لا يقل عن 10% سنويا كما قدّمنا. والنوع الآخر هو مستحدث أو مستجد (مثل كورونا) جاء كنتيجة لصدمة متوقعة تلقّاها جانب العرض. فإذا كنا بصدد مواجهة هذا المستجد فعلينا أن نعالجه بسياسة توسعية تنخفض معها أسعار الفائدة (وهو الاتجاه الذى بدأ البنك المركزى فى تبنيه لاحقا وبشكل متسارع ومحمود) حتى نشجّع الاستثمار ونخفّض من تكلفة الاقتراض بل ومن عبء الدين العام للدولة التى هى المقترض الأكبر من القطاع المصرفى. اختلف معى نائب المحافظ حينذاك، كان يرى أن تستهدف السياسة النقدية التضخم الهيكلى المزمن المشفوع بزيادة الطلب الفعّال ومن ثم زيادة الإنفاق، ومن هنا كان يرى ضرورة الاستمرار فى رفع أسعار الفائدة دعما للتوجه التقشّفى للدولة حينذاك مهما كانت آثار ذلك على الاستثمار.
***
لا أكتب ما تقدّم محاولا إثبات صحة أى من الوجهتين، ولا أزعم أننى على يقين من صحة وجهة نظرى، لكننى أزعم أن فهم السببية والتشخيص الجيد للمشكلة يساعدان على اتخاذ القرار السليم، وأن إدارة الأزمة بالتعامل مع الحرائق الناشئة والطارئة أولا هو أمر منطقى خاصة إذا كان الجانب المزمن لا يمكن التخلّص منه بداهة فى الأجل القصير. لكننى أكتب هذا المقال بعدما لاحظت انخفاضا تاريخيا جديدا فى معدلات التضخم السنوى التى يعلنها الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وبالطبع تلك التى يعلنها البنك المركزى (التضخم الأساسى والذى يستبعد من حزمة السلع تلك التى تعرف بشدة التقلّب مثل الخضراوات والفاكهة). فقد سمعنا أن المعدّل «السنوى» قد بلغ ما يزيد قليلا عن 4% وعلمنا أيضا من بعض التقارير أن التضخم الأساسى الشهرى على أساس سنوى قد انخفض إلى ما دون الواحد فى المائة فى بداية العام الماضى، وظنّت بعض الأقلام أننا نتحدث عن نفس معدلات التضخم التى ظللنا نكافح تجاوزها 10% سنوات طويلة دون جدوى، وأرجع البعض ذلك لتغيير سنوات الأساس وكأن نوعا من التسليس وتحويل البيانات إلى أرقام قياسية لا يحدث، كما زعم البعض اجتهادا أن هذا الانخفاض هو نتيجة لعمليات الإصلاح ومن ثم يجب أن نتخذ فورا سياسات نقدية توسعية استجابة له.
والحق أن معدلات التضخم السنوى التى نعرفها قد سجلت تراجعا جيدا ومؤثرا عام 2019 بنسبة قريبة من المستوى المزمن 9,2% متفوقة على عام 2013 والذى شهد جانبا كبيرا من عدم الاستقرار فى النشاط الاقتصادى وربما فى عمليات الإحصاء (بنسبة 9,5% للتضخم السنوى). أما كل من التضخم الشهرى (شهر إلى شهر سابق فى نفس العام) أو التضخم الشهرى على أساس سنوى (شهر إلى شهر مقابل من العام السابق) فله دلالات مختلفة. بالنسبة للتضخم الشهرى فله مدلول موسمى وعادة ما يعكس فى مجموع شهوره التضخم السنوى. وأما التضخم الشهرى على أساس سنوى فعلى الرغم من دلالاته الموسمية أيضا فإنه يجب أن يقترب من التضخم السنوى نهاية كل عام (إلا إذا كان ثمة اختلاف جوهرى فى منهجية حسابه لكن الموقع الرسمى للجهاز لا يوضحها) وعندما نجد هذا المؤشر للتضخم على أساس سنوى قد بلغ 7,4% فى شهر أغسطس الحالى بل ووصل إلى 3,1% شهر أكتوبر الماضى فإن هذا يحتاج إلى اهتمام وتفسير. بل إن اتساع الفجوة بين كل من التضخم الأساسى والتضخم العام (وفقا لبيانات البنك المركزى) لتصل إلى 67% بداية شهر ديسمبر 2019 هى أيضا أمر غير مألوف يحتاج إلى كثير من التفسير. بالتأكيد استمرار تراجع قيمة الجنيه المصرى أمام المنتجات التى يشتريها (أى التضخم بشكل مبسط) مع شبه ثبات قيمته أمام الدولار الأمريكى يشكك البعض فى مصداقية عملية التعويم وأنها لم تكن تحريرا كاملا بل تعويما مدارا فى صورة طفرات أو تعويم جزئى، ومن ثم فإن تراجع معدلات التضخم يصب بشكل مباشر فى عملية إدارة سعر الصرف، وإن كان الهدف الأصلى للسياسة النقدية هو المحافظة على استقرار المستوى العام للأسعار. لكن هذا التحسّن لا يأتى بصورة مفاجئة إلا نتيجة لصدمة أو أننا نقارن تفاحا بخيار.
***
لا تتوقع منى عزيزى القارئ أن أجتهد فى تفسير النقاط الحائرة فى المقال، فقد حاولت أن أثير فضولك للبحث عن مؤشر اقتصادى كلى مهم من باب اختلاف المدارس فى التعامل معه، ومن باب طبيعة تركيبته فى بلادنا، حتى يمكنك أن تستفيد من متابعته والاستفسار عنه مستقبلا، بل أرى كما تقول القاعدة الفقهية ألا حاجة للاجتهاد مع النص، وأننا معشر الاقتصاديين والمواطنين بشكل عام فى حاجة إلى نشرة تفسيرية لما حدث فى معدلات التضخم السنوى للحضر خلال الأشهر الماضية لا تترك مجالا للاجتهاد والتأويل، على غرار نشرة «موازنة المواطن» التى تصدرها وزارة المالية، خاصة أن تلك البيانات تنشر عن ناقلين غير أكاديميين وإن اجتهدوا مشكورين فى محاولة التفسير والعرض.

رئيس مجلس إدارة القابضة المعدنية ومعهد التبّين ــ سابقا

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved