خطيب جمعة ينشر الكورونا!

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الإثنين 17 مايو 2021 - 7:10 م بتوقيت القاهرة

منذ بدء الموجة الثانية لفيروس كورونا، أواظب على أداء الصلاة فى البيت أو المكتب، ولم أعد أذهب للمسجد، إلا نادرا، بعد أن قرأت لرجال دين أجلاء أن المحافظة على الحياة تسبق أداء الفرض فى المسجد.
يوم الجمعة الماضية ذهبت إلى أحد المساجد، ولكن ما رأيته هناك يفوق الوصف والخيال!
وطبقا لتعليمات وزارة الأوقاف، فإن الخطبة يفترض ألا تزيد على عشر دقائق أو ربع ساعة على الأكثر، لكنها استمرت ٤٥ دقيقة كاملة، إضافة إلى الوقت الذى استغرقه الأذان مرتين للصلاة.
ألقيت نظرة من خارج باب المسجد، فوجدته مكتظا بالمصلين، وبه نحو ٢٥٠ شخصا، فلم أدخل وجلست فى الشارع. قلت فى نفسى إن الخطيب وبمجرد أن يرى هذا المشهد سيلفت نظر المصلين إلى ضرورة التباعد، وأن يرتدى كل مصل كمامته أو يصلى على سجادته.
أكثر من ٩٠٪ من المصلين يجلسون متلاصقين من دون ارتداء الكمامة، وكأن شيئا لم يكن.
صعد الإمام إلى المنبر وبدأ خطبته العادية، ولم يلفت نظره أى شىء مما يحدث أمامه، واصل خطبته التقليدية، واستغرق الجزء الرئيسى من الخطبة نحو ٣٥ دقيقة.
وبعد الاستغفار، بدأ الجزء الثانى بشىء كوميدى لم أتوقعه، وهو اعتذاره للمصلين عن «التطويل» فى الجزء الأول.
رغم أنه لم يبرر سبب هذا التطويل، فقد قلت فى نفسى إنه سيختصر تماما، ويدعو الناس لإقامة الصلاة، لكنه واصل الخطابة لمدة عشر دقائق على الأقل، أما الجزء الأطرف والأكثر عبثية فهو دعوته الناس لضرورة اتباع الإجراءات الاحترازية، و«أن المسلم لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وبالتالى عليه أن يخاف على أخيه وجاره وكل المجتمع، حتى لا يتعرض للإصابة بالفيروس، ثم دعا الله لرفع البلاء والوباء»!!
للحظة فكرت فى الدخول للمسجد، ومقاطعة الخطيب، وأن أقول له إنك تنشر الفيروس عامدا متعمدا بين جموع المصلين، وفى المجتمع وإن الدين المعاملة والنصيحة وإنك تقول للناس ما لم تفعل، و«كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون».
لكنى تذكرت حديثا يقول ما معناه: «من قال لأخيه صه خلال الصلاة، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له».
أعرف أن الحديث ضعيف فى سنده، لكن كما يقول العلماء فإنه صحيح فى معناه، أى النهى عن الحديث أثناء خطبة الجمعة. ورغم ذلك فإن الذى منعنى فعلا عن مجادلة الخطيب هو أن جمهور المصلين لا يدرك فى غالبيته وجود أى شىء خطأ فيما يحدث، وبالتالى فإن كلامى قد لا يكون له معنى فى بيئة شديدة المحافظة، وتعتقد جازمة أن الفيروس غير موجود، وإذا وجد فهو مؤامرة وربنا هينصرنا عليه!
حينما انتهت الصلاة، حرصت على تأمل الخارجين، لكى أحصى عدد من يرتدون الكمامة فكانت النتيجة، أن أكثر من ٩٠٪؜ منهم لا يفعلون، وعدد كبير منهم حاول السلام على باليد أو حتى بالأحضان والقبلات، فاعتذرت لهم برفق وسلمت عليهم من بعيد أو بالكوع!
مرة أخرى لن أذكر اسم المسجد أو مكانه أو أى إشارة تكشفه، لأن الموضوع أقرب إلى الظاهرة، خصوصا فى المناطق الشعبية، والريف والصعيد، وحتى لا يكون كل هم مديريات الأوقاف إغلاق المسجد أو معاقبة الخطيب فقط، اعتقادا أن ذلك سيحل المشكلة، كما فعلوا معى فى مقال سابق.
الموضوع أخطر من الحالة الفردية، ويتكرر فى أماكن كثيرة. صحيح أننى رأيت مساجد تلتزم بالإجراءات الاحترازية بحذافيرها مثل مسجد حسن الشربتلى بالتجمع الخامس حينما صليت العصر وصلاة الجنازة يوم رحيل زوجة المفكر الكبير الراحل أحمد كمال أبوالمجد، أو مسجد بحى الفردوس بأكتوبر، وبعض هذه المساجد يوفر سجادات لكل مصل. لكن الالتزام يكاد يكون منعدما فى الكثير من المساجد.
وحتى يكون الكلام واضحا مرة أخرى فإن عدم الالتزام ليس مقصورا فقط على المساجد، لكنه ظاهرة عامة موجودة فى المطاعم والمقاهى والكافيتريات والمولات ووسائل المواصلات والأسواق والمحلات، وبالتالى فالقضية ليست مشكلة وزارة الأوقاف فقط، بل قضية مجتمع باكمله.
والأكثر خطرا أن كل وزير يتلقى تقارير من مرءوسيه تقول له إن الأمور على خير ما يرام، فى حين أن الشىء الحقيقى الوحيد، هو زيادة أعداد المصابين والمتوفين.
المشكلة هى حاصل جمع ضعف رقابة الحكومة وتراخيها الشديد، مع انعدام الوعى والاستهتار بين قطاعات كبيرة من المواطنين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved