صراع بوسائل أخرى.. إعادة الإعمار بعد الحرب فى الدول العربية


من الفضاء الإلكتروني «مدونات»

آخر تحديث: الثلاثاء 16 فبراير 2021 - 7:10 م بتوقيت القاهرة

نشرت مركز كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط مقالا للكتاب عمرو عدلى ومحمد العربى وإبراهيم عوض يرون فيه أن الدول الأربع التى تخوض حروب من ليبيا والعراق وسوريا واليمن من المرجح أن تتعرقل بهم عمليات الإعمار نظرا لغياب المتطلبات الأساسية التى تعتمد عليها عمليات إعادة الإعمار الناجحة... نعرض منها ما يلى:
فى حين تقترب الصراعات فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الحل، يصبح التساؤل الرئيسى حول إعادة الإعمار وكيف يمكن للعملية أن تنجح فى الدول الأربع التى شهدت صراعات دامية ــ سوريا وليبيا واليمن والعراق ــ فى ظل توزيع القوى الحالى داخليا وإقليميا ودوليا.
تعتمد عملية إعادة الإعمار على الطريقة التى ستؤثر بها الاعتبارات الجيوسياسة على استخدام الموارد الاقتصادية، فهى التى ستحدد طريقة انتقال المساعدات والأموال والاستثمارات وفقا للأهداف السياسية للقوى الإقليمية والدولية. وبالتالى ستمثل عملية إعادة الإعمار شكل جديد من المنافسة بين القوى الداخلية والإقليمية والدولية. لذلك نتائج ما بعد الحرب فى كل من الدول الأربع ستحددها التحالفات والعداءات الموجودة فى صراعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
الاقتصاد له دور مهم ويظهر فى الدعائم الأربع التى تبنى عليها عمليات إعادة الإعمار الناجحة؛ أولا توفر الموارد الاقتصادية اللازمة لإعادة الإعمار، ثانيا الطريقة التى انتهت أو ستنتهى بها الحرب، ثالثا وجود أو غياب عملية سياسية داخليا أو إقليميا، رابعا الهياكل الاقتصادية والمؤسسية ومدى الترابط الاجتماعى الموجود قبل الحرب. فى غياب هذه الشروط، أو بعضها، تتعرقل عملية إعادة الإعمار وتعطى فرصة للفواعل الخارجية للاستفادة من العملية والدفع بأجنداتهم.
***
تبدو آفاق عملية إعادة الإعمار بعد الصراع قاتمة فى سوريا وليبيا واليمن والعراق. فى الدول الأربع، شروط نجاح العملية إما ناقصة أو غائبة. ومحركات الصراع سواء على المستوى الوطنى أو الإقليمى أو الدولى لا تبشر بانتهاء الصراعات فى هذه الدول حتى بعد انتهاء الحروب. لذلك من المرجح أن عملية إعادة الإعمار إما أنها لن تحدث على الإطلاق بسبب نقص الموارد وغياب الأمن والتشرذم السياسى، أو ستصبح استمرارا للصراع بوسائل أخرى تشمل المتنافسين المحليين والخارجيين... النتيجة النهائية ربما تكون نزاعات محلية أقل حدة أو تقوية الترتيبات الأمنية أو الاقتصادية الناتجة عن الحرب.

سوريا
تغيب عن سوريا تقريبا كل المتطلبات الأساسية لتحقيق عملية إعادة إعمار ناجحة. العوامل الجيوسياسية التى تتحكم فى الصراع تشير إلى أن الدولة ستستمر فى مواجهة انقسامات شديدة سياسية وأمنية مع غياب التمويل اللازم. بسبب موارد سوريا المحدودة والخسائر الهائلة التى خلفتها الحرب على البنية التحتية والسكان، ستكون عليها الاعتماد كليا على التمويل الأجنبى الذى سيعيقه العوامل الجيوسياسية. من غير المرجح أن تقدم الدول الغنية مثل الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة ــ التى تفرض عقوبات على نظام الأسد ــ ودول الخليج الأموال للنظام فى سوريا لدعم عملية إعادة الإعمار. عمليات إعادة الإعمار فى المناطق التى تحتلها تركيا تتماشى مع خططها لضم تلك المناطق. حلفاء بشار الأسد من روسيا وإيران لا يملكون الموارد اللازمة لتمويل عملية إعادة الإعمار بسبب انخفاض أسعار البترول والعقوبات المفروضة عليهم أيضا. كما أن سوريا لا تمتلك الموارد الطبيعية لجذب المستثمرين الصينيين. لذلك قد تكون النتيجة هى التخلى عن أى عملية إعادة إعمار واسعة النطاق.
المستويات العالية من التشرذم الأمنى والسياسى تجعل الدولة غير مناسبة للاستثمار المحلى أو الأجنبى. نعمت سوريا قبل الحرب بقطاع خاص قوى، ولكن أجبر الصراع العديد من المستثمرين على الفرار إلى الدول المجاورة، ومن غير المرجح عودتهم فى ظل التشرذم الموجود فى سوريا. وبالتالى ديناميكيات اقتصاد الحرب هى التى ستهيمن على المشهد بعد الحرب... فى سوريا تعطى الأولوية لبقاء النظام، لذلك قد لا تكون عملية إعادة الإعمار، مثل عودة اللاجئين، مهمة إذا لم تتوافق مع ما تريده النخبة السياسة وحلفائها من الهيمنة على الشئون الأمنية والسياسية. حتى الآن، فشلت كل المحاولات لتغيير سلوك النظام.

اليمن
اليمن أيضا، مثل سوريا، يفتقر إلى الموارد الطبيعية وبالتالى ستعتمد عملية إعادة الإعمار بشكل شبه كلى على التمويل الأجنبى. من المرجح أن يأتى هذا التمويل من دول مجلس التعاون الخليجى التى شاركت فى الحرب على مدى الخمس سنوات الماضية. إذا انتهت الحرب اليوم، فستظهر عملية إعادة الإعمار الانقسام العميق فى اليمن. التمويل من دول مجلس التعاون الخليجى بالطبع لن يذهب إلى المناطق التى تسيطر عليها الجماعات المدعومة من إيران فى شمال اليمن، الحوثيون، ولن تتلقى هذه المناطق تمويل من إيران لعدم قدرة الأخيرة على ذلك، ونظرا لأن المناطق التى يسيطر عليها الحوثيون ذات كثافة سكانية عالية، فقد لا يستفيد غالبية اليمنيين من عملية إعادة الإعمار بعد الحرب على الإطلاق.
اليمن فى تاريخها الحديث لم تكن أبدا دولة قومية ومن المرجح عند انتهاء الحرب أن تصبح تكتلا من دوليات صغيرة تخضع لسيطرة دول أجنبية متنافسة. عملية إعادة الإعمار فى ظل غياب عميلة سياسية ستكون خالية من أى محاولات لإعادة بناء الدولة، ما يزيد من احتمال نشوب صراع بين المتنافسين المحليين ورعاتهم الأجانب.

ليبيا
تواجه ليبيا العديد من العوائق لتحقيق عملية إعادة إعمار ناجحة، على الرغم ما لديها من نفط. غاب عن ليبيا وجود حكومة مركزية منذ مقتل القذافى فى 2011. الديناميكيات الإقليمية الجيواقتصادية ساعدت على تقسيم ليبيا إلى حكومة الوفاق الوطنى غربا، والجيش الوطنى الليبى شرقا، بالإضافة إلى الجنوب غير الخاضع للحكم. اجتذبت المواجهة العسكرية بين حكومة الوفاق الوطنى والجيش الوطنى الليبى فواعل خارجيين يسعون إلى تحقيق مصالحهم السياسية. دعمت تركيا وقطر حكومة الوفاق الوطنى، ودعمت مصر وفرنسا والإمارات الجيش الوطنى الليبى، ما أدى إلى جمود عسكرى. قد يستمر هذا الوضع فى حالة التوصل إلى اتفاق لتقاسم النفط بوساطة دولية بين الأطراف المعادية، حيث سيكون لدى كل طرف الموارد اللازمة للحفاظ على حكمه الذاتى، ما يعزز الانقسامات الليبية.
ستستمر الانقسامات حتى بعد انتهاء الصراع فى إعاقة عملية إعادة الإعمار، ليس فقط بين الكتل المختلفة بل أيضا داخل كل كتلة. هذا سيزيد من أمد تأثيرات الحرب الاقتصادية، مثل الاتجار بالبشر والأسلحة والنفط. الشبكات غير المشروعة المنخرطة فى مثل هذه الأعمال، والمرتبطة بالميليشيات وأمراء الحرب والزعماء المحليين، الممتدة من الصحراء إلى الشواطئ الجنوبية لأوروبا، ستقاوم أى محاولات من قبل الحكومة المركزية لبسط سلطتها على البلاد.
إلى جانب ذلك، لم تمتلك ليبيا قطاعا خاصا نشطا فى سنوات ما قبل الحرب. فكانت نموذج مثالى للدولة الريعية المعتمدة على النفط. هذا لا يعد بانتعاش اقتصادى حقيقى فى المستقبل ومن المرجح أن تستمر قيام الهيئات الحكومية فى شراء الولاء أو السلم الاجتماعى من خلال إعطاء مرتبات للميليشيات، وبالتالى إعاقة محاولات إعادة تشكيل الدولة أو الاندماج الوطنى.

العراق
فقط العراق يمتلك بصيصا من الأمل فى عملية إعادة الإعمار. بعد أن استعادت الحكومة كل أراضيها من داعش فى عام 2017، انتهت العمليات العسكرية واسعة النطاق. وتظل الدولة مجزأة بسبب الهوية والطائفية على الرغم مما تتمتع به من عملية سياسية وطنية وما يجري بها من انتخابات برلمانية ومحلية... يقع العراق أيضا فى قلب التوترات بين إيران وأمريكا، وظهر ذلك فى مقتل سليمانى على أرض العراق وانتقام إيران بضرب القواعد الأمريكية هناك. علاوة على ذلك، هناك احتجاجات شعبية تطالب بالتغيير السياسى فى العراق.
العراق لديه موارد تدعم عملية إعادة الإعمار، إلا أن العراق يظل دولة ريعية يعتمد بشكل كبير على النفط، وسيؤدى ذلك إلى استمرار مستويات الفساد المعوقة والسيطرة السياسية على الدولة من قبل الأحزاب وميليشياتها، بالإضافة إلى استمرار التفتت السياسى والأمنى.
***
إعادة الإعمار هى عملية سياسية واقتصادية تتضمن إعادة بناء الدولة وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبالتالى فالتفاعل بين العوامل السياسية والاقتصادية ضرورى لتحقيق الاستقرار بعد الحرب... حتى الدول الغنية بالنفط، مثل ليبيا والعراق، لن تتمكن من استغلال ثرواتها من أجل عملية إعادة الإعمار ما لم تعالج المشكلات المؤسسية الأساسية، وتضمن وحدة ونزاهة الهيئات الوطنية المسئولة عن إنتاج النفط وإدارة الإيرادات، ومحاربة الفساد والتشرذم الأمنى والتخلص من اقتصاد الحرب. وفى الدول التى تفتقر إلى النفط، مثل اليمن وسوريا، ستحتاج إلى الاعتماد على المؤسسات لتتعافى من آثار الحرب، والذى من غير المرجح أن تحققه كلا الدولتين فى غياب عملية سياسية.
لذلك، فإن إعادة الإعمار لا تعنى بالضرورة نهاية الصراع، بل قد تؤدى إلى اندلاع منافسات إقليمية ودولية جديدة... ولذلك، فإن استمرار العداء بين القوى الإقليمية والدولية من شأنه إما تقويض جهود إعادة الإعمار أو تحويلها إلى سلاح كبعد غير عسكرى للنزاع. فى كلتا الحالتين، من غير المرجح أن تتم إعادة إعمار فعالة فى المستقبل المنظور فى سوريا واليمن وليبيا والعراق.

إعداد: ابتهال أحمد عبدالغنى
النص الأصلى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved