هل وصلنا إلى نهاية الحلم العلمانى الصهيونى؟


من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الأحد 15 سبتمبر 2019 - 9:35 م بتوقيت القاهرة

نشرت صحيفة Harretz مقالا للكاتب Shaul ArieliSep عن الاختلافات بين الصهيونية العلمانية والصهيونية المسيحية القومية نعرض منه ما يلى:

لقد ترسخت فكرة فى المجتمع الإسرائيلى مفادها أن الصهيونية العلمانية والصهيونية المسيحية الدينية القومية يمكن أن تعيش جنبًا إلى جنب فى هذا البلد.. حيث ينظر إليهما باعتبارهما يشتركان فى فروق أيديولوجية طفيفية، على غرار الاختلافات بين الصهيونية الثقافية الروحية والصهيونية السياسية، أو بينهما وبين الصهيونية العملية. إلا أنهما فى الواقع رؤيتان قوميتان مختلفتان تتناقضان مع بعضهما البعض وتتنافسان على تحديد الهوية والنظام فى دولة إسرائيل، علاوة على ذلك، فإن قدرتهم على التعايش مشروطة بهوية النظرة العالمية المسيطرة.. وهناك مجموعة من السمات التى تميز بينهما.
أولا، الصهيونية العلمانية ترى أن حاجة الشعب اليهودى إلى ملجأ آمن هى الحافز لإقامة الدولة. «دعنا نمنح السيادة على جزء من العالم ملائم لتلبية متطلباتنا الوطنية المشروعة، كتب ثيودور هرتزل فى كتابه «الدولة اليهودية» فى الوقت الذى ترى فيه الصهيونية المسيحية القومية أن الوصية الإلهية للوفاء بوعد الكتاب المقدس هى الدافع لإقامة الدولة. «لقد استقررنا... لأننا أمرنا أن نرث الأرض التى وهبها الله تعالى لأسلافنا»، أعلن مناحيم فيليكس، زعيم غوش إيمونيم فى جلسة استماع فى محكمة العدل العليا فى عام 1979.
ثانيا، الصهيونية المسيحية الدينية فى رؤيتها للمستوطنات اليهودية ترى أنها تتكون من أغلبية يهودية إلى جانب أقلية عربية.. فقد كتب زئيف جابوتنسكى فى عام 1923 «أنا أعتبر أنه من المستحيل تمامًا إخراج العرب من فلسطين».
ثالثا، ترى الصهيونية المسيحية أن الشرعية الدولية هى الأساس السياسى والقانونى لإقامة الدولة، وسعت إلى الاعتماد على «الحقوق الطبيعية» فى تقرير المصير الذى تتمتع به كل دولة. قال ديفيد بن غوريون فى إعلان الاستقلال، فى 14 مايو 1948 «بشكل افتراضى بالإضافة إلى حقنا القومى والتاريخى وعلى قوة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة».. لكن الصهيونية المسيحية ترفض هذا، وتطالب بالأرض على أساس «الحقوق التاريخية» وتنكر التغييرات السياسية والمكانية والديمغرافية التى حدثت فى أرض إسرائيل منذ تدمير الهيكل الثانى. «من المهم أن نتذكر أن قرار الأمم المتحدة ليس هو مصدر حقنا فى إسرائيل، بل هو الكتاب المقدس والوعد المقدّس»، هكذا قال عضو الكنيست بتسلئيل سموتريش قبل عامين.
رابعا، سعى قادة الصهيونية المسيحية إلى وضع حدود مع الأخذ فى الاعتبار الحالة المستقبلية ــ خاصة فيما يتعلق بالاحتياجات الاقتصادية. «إذا سعينا إلى تعيين حدود أرض إسرائيل اليوم، لا سيما إذا رأيناها ليس فقط تراث الماضى اليهودى وإنما كدولة يهودية فى المستقبل ــ لا يمكننا أن نأخذ فى الاعتبار الحدود المثالية الكاملة، والتى كتبها لنا بن غوريون وإسحق بن تسفى فى عام 1918 بعنوان «أرض إسرائيل: الماضى والمستقبل».
فى رأى الصهيونية القومية المسيحية، الحدود هى جوهر المسألة. وفى كل مرة سعت الصهيونية العلمانية إلى اتخاذ قرار بين أهدافها العليا الثلاثة ــ الأغلبية اليهودية والديمقراطية والأرض الإلزامية الكاملة لإسرائيل، لجأت الصهيونية المسيحية إلى القومية المتطرفة والعدوان لمنع ذلك. وفى المرة الأولى التى قبلت فيها الحركة الصهيونية فكرة تقسيم الأرض، فى أعقاب تقرير لجنة بيل فى عام 1937، من أجل إقامة دولة فى جزء من الأرض واستيعاب يهود أوروبا، أعلن أعضاء فى «حركة المزراحى»، قائلين: لن يقبل الشعب اليهودى أبدًا أى محاولة لتقليص الحدود التاريخية لأرض إسرائيل، كما وعد شعب إسرائيل بالكلمة الإلهية.
رفض العرب التقسيم والاحتلال البريطانى أجّل اتخاذ قرار فى هذا الشأن. وبعد عقد من، الزمان، وعندما قبلت الصهيونية الدينية قرار تقسيم الأرض وإقامة دولة إسرائيل، تجمع اليهود فى روما لصلاة الشكر أمام قوس تيتوس لكن حركة المزراحى رفضت تصويت التقسيم.
أدى اتفاق السلام مع مصر إلى إنشاء المجلس الإقليمى ليهودا والسامرة وغزة، والذى أكد فى مؤتمره التأسيسى عام 1981: «ينظر المجلس فى أى اقتراح يهدف إلى تسليم أجزاء من أرض إسرائيل إلى سيادة أجنبية.. باعتباره عملا غير قانونى».
كان هذا هو الدافع لنشاط حركة تحت الأرض اليهودية، التى حاولت حتى تفجير المساجد فى جبل الهيكل بالقدس.. وكان هذا هو نهج الحاخام شلومو غورين، الحاخام الأكبر الراحل لإسرائيل. ففى عام 1993، رفض الحق الشرعى للمجتمع الدولى والمؤسسات المنتخبة فى إسرائيل فى التخلى عن الأرض لتحقيق قيم أخرى، مثل تحقيق السلام، قائلا: «لا يوجد قانون وطنى أو دولى لديه القدرة على تغيير وضعنا وحقوقنا».
تم تنفيذ كل هذه القرارات التاريخية، وكذلك الاتفاقات المؤقتة بين إسرائيل والفلسطينيين، وفك الارتباط عن قطاع غزة ــ على الرغم من الضغط الشديد من أتباع الصهيونية القومية المسيحية.. وكان هذا بسبب دعم الجمهور ورؤساء الوزراء الذين اعتقدوا أن الانفصال عن الفلسطينيين سوف يحافظ على ديمقراطية إسرائيل ويساعد فى الحفاظ على أغلبيتها اليهودية.
خامسا، نظرت الصهيونية العلمانية إلى إسرائيل كدولة كانت هويتها ونظامها ديمقراطيًا وليبراليًا، كما أعلن بن غوريون عند تأسيس الدولة: «دولة إسرائيل ستقوم.. على أساس الحرية والعدالة والسلام.. وستضمن المساواة الكاملة فى الحقوق الاجتماعية والسياسية.. وستضمن حرية الدين.. «أما فى نظر الصهيونية المسيحية، فإن النظام الديمقراطى ليس أكثر من منصة لتحقيق رؤيتهم».
«فى المراحل الأولية.. أمامنا أهداف إضافية هائلة تشكل جزءًا لا يتجزأ من الصهيونية، أولا وقبل كل شيء: تأسيس «مملكة كهنة» و«الأمة المقدسة» و«إعادة الوجود الإلهى» مرة أخرى إلى صهيون، وتأسيس مملكة بيت داود وبناء الهيكل ــ كنقطة أساسية لإصلاح العالم فى مملكة الله، هذا ما كتبه المستوطن الزعيم حنان بورات فى مقدمة كتاب «ضد كل الصعاب».
حتى وقت قريب كان النظام السياسى فى إسرائيل بقيادة الصهيونية العلمانية، والأيديولوجية الحاكمة، التى تحدد ما هو جيد وما هو سيئ، أعطت الأفضلية للديمقراطية والأغلبية اليهودية والأمن.. وفى هذا السياق، مكنت الصهيونية القومية من تحدى النظام القائم.
***
واليوم، نظرًا للثورة التى مرت بها حركة الليكود، حدث تغيير فى ترتيب الأولويات فى الأهداف العليا الثلاثة للصهيونية. يقود الليكود مع الأحزاب القومية المسيحية برئاسة بنيامين نتنياهو ونفتالى بينيت وأيليت شاكيد المعركة لتقويض المحكمة العليا وسيادة القانون والحقوق المدنية والإنسانية وعلاقة إسرائيل بالشتات اليهودية. وكل ذلك من أجل وهم إسرائيل الكبرى، التى لا توجد فيها أغلبية يهودية فى الوقت الحالى.
أعلن بينيت فى أكتوبر 2016 قائلا: «علينا أن نحتفل بالحلم، والحلم هو أن يهودا والسامرة ستكونان جزءًا من أرض إسرائيل ذات السيادة». تعريف وتحقيق التطلعات الوطنية لشعب واحد فقط: الشعب اليهودى.. التطلعات الوطنية للفلسطينيين؟ ليس هنا. ليس على حسابنا». وفى شهر يوليو الماضى، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلى قائلا: «سننتقل إلى المرحلة التالية، السيادة الإسرائيلية التدريجية فى مناطق يهودا والسامرة».
من المرجح أن تؤدى انتخابات الأسبوع المقبل إلى وفاة الهويات المزدوجة، اليهودية والديمقراطية، لدولة إسرائيل ــ فى ضوء السياسة التى تتبعها الحكومة فيما يتعلق بالعملية الدبلوماسية للانفصال عن الفلسطينيين، مكانة الدين فى الدولة وفى السياسة، حقوق الأقليات وحقوق المرأة، وضع منظمات المجتمع المدنى.
يتم تطوير هذه الاتجاهات من قبل السياسيين الذين يفسرون الديمقراطية على أنها حق الأغلبية فى تحديد كل قضية.. إنهم يرفضون المبدأ الديمقراطى المتمثل فى أنه يمكن للأغلبية أن تحكم فقط بشرط أن تضمن حقوق الأقلية والفرد. أى شخص لا يدعمنى هو بالضرورة ضدى.. لا يوجد مجال لأولئك الذين يختلفون، اجتماعيا وسياسيا. هذه هى حملة حكومة معادية للديمقراطية.
كانت الصهيونية العلمانية المهيمنة فى المجتمع الإسرائيلى.. وسمحت بوجود منافسين لها ومنها الصهيونية القومية. اليوم، عندما تتسلّم الصهيونية القومية ستنقلب الأمور رأسا على عقب ولن تُظهر أى تسامح فى التعامل مع الصهيونية العلمانية.

إعداد: ريهام عبدالرحمن العباسي

النص الأصلى:

https://bit.ly/2lORvfQ

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved