الفشل المفيد

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الأربعاء 15 يناير 2020 - 10:05 م بتوقيت القاهرة

كان فشل اجتماع موسكو الأخير فى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطنى الليبى وفايز السراج رئيس ما تسمى بحكومة الوفاق المسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس، خبرا سارا، ومفرحا للكثير من الأطراف المعنية بالأزمة الليبية وخبرا إيجابيا بالنسبة لجهود حل الأزمة نفسها.
فإذا كان الأصل فى اتفاقات وقف إطلاق النار أنها تفتح الباب أمام جهود تحقيق السلام الدائم وإنهاء الصراع، فإن هذا الاتفاق غير المأسوف عليه والذى تم «التوصل إليه بليل» وبتحركات تركية وروسية مريبة، كان سيفتح أبواب الجحيم ليس فقط فى ليبيا وإنما فى الإقليم ككل.
ورغم الغموض المحيط بظروف سفر حفتر إلى موسكو من الأساس لتوقيع هذا الاتفاق، وبالظروف التى أحاطت بتراجعه عن توقيع الاتفاق فى اللحظة الأخيرة، فالواضح أن هذا التراجع أنقذ ليبيا من شرعنة التدخل التركى فى شئونها وأنقذ الشعب الليبى من لوثة جنون العظمة التى أصابت الرئيس التركى رجب طيب أردوغان وأصبحت تتحكم فى الكثير من تحركاته وتصريحاته.
وصل الشطط بأردوغان درجة جعلته يتحدث عن الشعب الليبى باعتباره من أصل تركى ويقول «إن نصرة أحفاد أجدادنا فى شمال إفريقيا تأتى على رأس مهامنا. إن أبناء كور أوغلو (أتراك ليبيا) يتساوون عندنا مع تركمان سوريا والعراق وأتراك البلقان وأتراك الأهسكا فى القوقاز». ثم يقول إن ليبيا كانت لعصور طويلة جزءا مهما من الدولة العثمانية لذلك لا يمكن لتركيا أن تقف مكتوفة الأيدى أمام ما يجرى هناك.
وبعد ذلك يأتى الروس الذين يفترض أنهم يعترفون بشرعية قائد الجيش الليبى ويرتبطون بعلاقات وثيقة مع مصر صاحبة المصلحة الأولى فى تحقيق السلام الحقيقى والقضاء على الميليشيات الإرهابية فى ليبيا، لكى يضعوا مسودة اتفاق لوقف إطلاق النار يجعل من تركيا مراقبا له، ويقر الوثيقتين غير الشرعيتين اللتين وقعتهما أنقرة مع حكومة السراج.
فإذا كان الوجود التركى فى أى تحرك بشأن ليبيا، يثير الشكوك والمخاوف، وإذا كان الحضور المصرى فى هذا الملف حقا وواجبا، فإن السياسة الدولية، وبخاصة فى ملفات الصراع، لا تخضع دائما لقواعد المنطق ولا الأعراف المستقرة، وإنما لحسابات القوة والفاعلية فى التحركات، وهو ما يفرض علينا بذل جهد مضاعف من أجل المحافظة على الدور المصرى المعتبر، وطرح الحلول التى تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة من أجل إنهاء الصراع الليبى بما يخدم المصلحة المصرية ويحقق للشعب الليبى طموحاته فى السلام والاستقرار.
معنى هذا أنه لا يجب أن تسمح مصر لأى طرف دولى أو إقليمى، حتى إذا كان هذا الطرف شقيقا أو صديقا، بأن يأخذ زمام القيادة منفردا فى الملف الليبى، حتى لا يكون الحل على حساب المصالح العليا للدولة المصرية، فى ظل الارتباط الوثيق بين الأمن القومى المصرى وبين ما يجرى على التراب الليبى. فإذا كان هذا الطرف أو ذاك سواء كان خصما أو شقيقا أو صديقا ينظر إلى الأزمة الليبية باعتبارها فرصة لتعزيز نفوذ إقليمى أو حضور دولى، فإن مصر تتعامل مع الأزمة باعتبارها قضية حيوية تؤثر تطوراتها على أوضاعها الأمنية والاجتماعية وأيضا الاقتصادية.
وجاءت التطورات الأخيرة المتلاحقة فى هذا الملف، لتفرض على صانع القرار فى القاهرة إعادة تقييم تحركاته وجهوده فى التعامل مع الأزمة والتى كان لمصر الدور الرئيسى فى التعامل معها ومحاولة حلها على مدى سنوات، عندما كان العالم مشغولا بمحاربة تنظيم داعش الإرهابى فى سوريا والعراق. ففى تلك الفترة كان الدور المصرى هو الأساس فى التعامل مع الأزمة الليبية، وكانت كل التحركات تبدأ من القاهرة وتنتهى إليها ولكن الوقت مر، ولم يتم التوصل إلى حل، وبدأت القوى الدولية والإقليمية تلتفت إلى الأزمة وتسعى للتدخل فيها واستغلالها، على حساب الدور المصرى الذى لا يجب أن يكون محل مساومة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved