هل نشهد حربا كورية جديدة؟

علاء الحديدي
علاء الحديدي

آخر تحديث: الإثنين 14 أغسطس 2017 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

يترقب العالم ما ستسفر عنه حرب التصريحات الحالية بين الولايات المتحدة وبين كوريا الشمالية، وما إذا كان التصعيد الحالى فى لغة التهديدات والاتهامات سيفضى فى النهاية إلى مواجهة عسكرية على غرار ما شهدته شبه الجزيرة الكورية فى بداية الخمسينيات، أم إلى نوع من الحل الدبلوماسى الوسط الذى يحفظ ماء وجه كلا الطرفين على غرار ما انتهت إليه مثلا أزمة الصواريخ الكوبية فى بدايات الستينيات؟ ومما لا شك فيه أن لكلا الحدثين أوجه شبه واختلاف مع الأزمة الحالية فى كوريا، الأمر الذى يدعونا إلى المقارنة لاستخلاص الدروس والنتائج فى محاولة لاستشراف المستقبل.

بداية، ومن أجل فهم قواعد التوازن الدولى التى تحكم هذه المنطقة من العالم. كانت شبه الجزيرة الكورية محتلة من قبل اليابان ثم انقسمت بعد هزيمة الأخيرة فى الحرب العالمية الثانية إلى جزء شمالى تحت سيطرة القوات السوفيتية وجزء جنوبى تحت سيطرة القوات الأمريكية، ثم نشأت الدولتان الكوريتان بعد انسحاب هذه القوات. وفى عام ١٩٥٠ نشبت الحرب الكورية الأمريكية عندما حاول نظام كوريا الشمالية، المدعوم من روسيا والصين، غزو كوريا الجنوبية المدعومة من الولايات المتحدة من أجل توحيد الكوريتين، مما أدى إلى تدخل عسكرى أمريكى تحت راية الأمم المتحدة، وبعد أن نجحت واشنطن فى الحصول على تفويض من مجلس الأمن لهذا التدخل بعد انسحاب المندوب الروسى من الجلسة التى ناقشت الموضوع. كانت هذه المواجهة العسكرية هى المرة الأولى التى تنخرط فيها قوات أمريكية فى حرب مباشرة مع طرف آخر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبذلك أصبحت شبه الجزيرة الكورية ساحة اختبار حقيقية بين المعسكرين الشرقى بقيادة الاتحاد السوفيتى آنذاك والمعسكر الغربى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أسفر التدخل العسكرى الأمريكى فى البداية عن دحر قوات كوريا الشمالية وطردها من الجنوب ومطاردتها داخل أراضيها حتى باتت قريبة من الحدود الصينية، وهو الأمر الذى رأت فيه القيادة الصينية تهديدا مباشرا لها، فكان دخول القوات الصينية بشكل مباشر وصدامها مع القوات الأمريكية التى انسحبت بدورها إلى داخل أراضى كوريا الجنوبية. وكادت الحرب الدائرة آنذاك أن تتحول إلى حرب نووية بعد أن طالب قائد القوات الأمريكية فى كوريا الجنرال ماك أرثر ضرب الصين بالقنابل النووية لوقف تقدم قواتها وهزيمة القوات الأمريكية، وهو ما لم تستجب له واشنطن خشية من رد فعل سوفيتى مماثل. ودون الدخول فى تفاصيل لا يتسع المجال لها الآن، فقد انتهت الحرب الكورية فى عام ١٩٥٣ بتوقيع اتفاق هدنة مازال سارى المفعول حتى الآن، ولكن الأهم كان تكريس موازين القوة كما أسفرت عنها الحرب وقتئذ، والتى تتلخص فى نظام كورى جنوبى يتمتع بالحماية الأمريكية فى مقابل نظام كورى شمالى يتمتع بدوره بالحماية الصينية الروسية.

هذا، ولم تكن المواجهة السابقة فى شبه الجزيرة الكورية سوى إحدى حلقات الصراع والتنافس بين الاتحاد السوفيتى وأمريكا فيما عرف باسم الحرب الباردة، وكان من أبرزها بلا شك ما اصطلح على تسميته بعد ذلك بأزمة الصواريخ الكوبية، وهى الأزمة التى يمكن معها القول بأنها قد شكلت الفكر الإستراتيجى النووى للقوتين الكبريين ومازالت تحكم تصرفاتهما حتى الآن. فإذا كانت الحرب الكورية قد استخدمت فيها الأسلحة التقليدية وكان هناك تفكير لدى أحد الأطراف باستخدام الأسلحة النووية، فإن الأزمة الكوبية شهدت توظيفا مباشرا للأسلحة النووية فى استعراض للقوة، كادت أن تتحول معها الحرب الباردة إلى حرب حقيقية بالأسلحة النووية. وكما هو معروف فقد اكتشفت الولايات المتحدة فى أكتوبر من عام ١٩٦٢ قيام الاتحاد السوفيتى بنصب صواريخ تحمل رءوسا نووية فى كوبا تستطيع من موقعها القريب من السواحل الأمريكية ضرب العمق الأمريكى. وقد عدت واشنطن ذلك تهديدا مباشرا لها دفعت على أثره قطعا من أسطولها البحرى لفرض حصار محكم حول الجزيرة الكوبية. ولولا تغليب لغة العقل والدبلوماسية من قبل الرئيس الأمريكى جون كينيدى والزعيم السوفيتى نيكيتا خروتشوف، لكانت الأحداث قد شهدت مسارا آخر وربما حربا نووية لا يعرف أحد مداها. إلا أن أهم الدروس المستفادة كانت فى التيقن من خطورة الانزلاق إلى مواجهة مباشرة لا يعرف أحد كيف ستكون أو متى تنتهى. وكان درس الحرب الكورية قبلها بعشر سنوات ما زال حاضرا فى الأذهان، لذلك كان حرص الطرفين، كينيدى وخروتشوف، على عدم التصعيد والتوصل إلى حل دبلوماسى يستطيع معه كل طرف إعلان النصر. وقد انتهت الأزمة فعلا بعقد صفقة تقوم موسكو بمقتضاها بسحب صواريخها ذات الرءوس النووية من كوبا، مقابل قيام واشنطن أيضا بسحب صواريخها ذات الرءوس النووية الموجودة فى تركيا بالقرب من الحدود السوفيتية. وبذلك زال التهديد الذى كان يمارسه كل طرف ضد الآخر، وتم تفادى حرب نووية. وأصبحت إدارة الأزمة الكوبية بعد ذلك نموذجا يدرس فى كيفية معالجة أزمة متفجرة بالطرق والوسائل الدبلوماسية.

وعليه، وبناء على ما شهدناه من قبل سواء فى الحرب الكورية الأمريكية أو فى أزمة الصواريخ الكوبية، وما نشهده فى الأزمة الحالية مع كوريا الشمالية، يمكن الإشارة إلى ما يلى: أولا هناك حقائق وقواعد تفرضها الجغرافيا لا تستطيع معها موسكو أو بكين النظر بعين الارتياح لوجود قوات أمريكية بالقرب من أراضيها فى كوريا الجنوبية، مثلما نظرت واشنطن من قبل لوجود قوات سوفيتية بالقرب منها فى كوبا، لذلك من المتوقع أن تستمر كل من موسكو وبكين فى دعم نظام كوريا الشمالية طالما استمر بقاء القوات الأمريكية فى كوريا الجنوبية. ثانيا، أن موسكو قد استوعبت جيدا درس انسحابها من مجلس الأمن أثناء مناقشة الوضع فى شبه الجزيرة الكورية فى الخمسينيات ولن تكرر هذا الخطأ مرة ثانية، لذلك انضمت إلى الدول المؤيدة لفرض مزيد من العقوبات على كوريا الشمالية، وحتى لا تمنح واشنطن فرصة لكسب نقاط أمام الرأى العام العالمى على حسابها، وهو الأمر الذى لن يكلفها كثيرا سواء هى أو الصين لأن العبرة فى التطبيق، فضلا أيضا عن الحاجة إلى كبح جماح حليفهم الأصغر فى بيونج يانج وإفهامه أنهم على غير استعداد للتورط مرة ثانية فى مغامرة عسكرية غير محسوبة.

أخيرا وليس آخرا، فرغم نشوب حرب فى الخمسينيات إلا أنه تم تغليب العقل ولم يتم استخدام السلاح النووى فى هذه الحرب، ثم تم تغليب العقل مرة أخرى فى حل أزمة الصواريخ الكوبية، فهل ستكون الغلبة للعقل والحكمة والدبلوماسية هذه المرة أيضا؟ أم أننا سنشهد مزيدا من التوتر والمواجهات؟

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved