الدستور والبنك المركزى..المادة 206 وتوافق واشنطن

محمود الخفيف
محمود الخفيف

آخر تحديث: الخميس 13 ديسمبر 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

كنت لا أود أن أكتب هذه الكلمات فى هذا الجو من الاستقطاب المميت بين ما يبدو عليه انه استقطاب بين مؤيدى ومعارضى مسودة دستور، ولكنه فى الواقع هو اعمق واخطر من ذلك بكثير، حيث ان هناك اطرافا فى كلا القطبين لا تريد الاقتراب قيد انملة فى اتجاه القطب الآخر، بل تعمل عن عمد على تقوية زخم الاستقطاب وزيادة الاحتقان لجر مصر إلى نقطة اللا عودة. وهنا سيخسر كل من يحمل فى داخله ذرة وطنية وبلا استثناء من القطبين، الكل سيخسر ولن يكسب الا الفلول عملاء الاستعمار الجديد القديم الذى يصر ان تبقى مصر ذليلة وضعيفة وتابعة، وقد تعود مصر لا قدر الله إلى وضع اسوأ من ايام مبارك. فمصر ذات الثقل العربى والاقليمى والدولى مستهدفة، ويجب ان يكون لمصر، كل اطياف مصر، عبرة وعظة فيما حدث ويحدث فى الوطن العربى والتدخل الغربى السافر والمباشر لاسقاط دعائم المجتمع والدولة والدين والتاريخ والحاضر والمستقبل (ليس مجرد اسقاط نظام) فى فلسطين والعراق ثم فى ليبيا والآن فى سوريا وفى السودان. إن ما حدث فى الأيام القليلة الماضية اثبت انه لا يمكن لطرف ان يقضى على الطرف الآخر بالضربة القاضية أو أن يقصى طرف الطرف الآخر، لذلك يجب على عقلاء مصر من الطرفين ان يسيروا فى اتجاه الطرف الآخر. يجب الاسراع، دون إخلال، نحو صيغة دستور الحد الأدنى الذى تلتقى عنده كل أطياف المجتمع الوطنية (وليس الفلولية)، نحو إنهاء الصراع السياسى ووضع قواعد إدارة التنافس السياسى، بما يتيح لمصر وشعبها التركيز على التنمية وتحقيق أهداف ثورة 25 يناير: خبز، حرية، كرامة وعدالة اجتماعية.

 

●●●

 

 لكل ما تقدم كنت لا أود ان اكتب هذا المقال الآن لأننى أخاف ان يُفهم منه مقصداً غير الذى اقصده، ولكننى وجدت انه من الضرورى ومن واجبى كاقتصادى ان أقول رأيا على الأقل فى مادة واحدة فى مسودة الدستور وهى المادة 206. تنص المادة على «يضع البنك المركزى السياسة النقدية والائتمانية والمصرفية، ويشرف على تنفيذها، ويراقب أداء الجهاز المصرفى، ويعمل على تحقيق استقرار الأسعار؛ وله وحده حق إصدار النقد. وذلك كله فى إطار السياسة الاقتصادية العامة للدولة». هذه المادة مستقاة مباشرةً من اهداف البنك المركزى المنشورة فى الصفحة الرئيسة للبنك على الانترنت، واهداف البنك مُستقاة من القانون رقم 88 لعام 2003، وهذا القانون مستقى من توصيات ما يسمى بـ«اصلاحات» صندوق النقد الدولى، وتلك الأخيرة مستقاة من «توافق واشنطن» والذى يضم كل من صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ووزارة الخزانة الأمريكية. ويهدف توافق واشنطن إلى إطلاق قوى السوق بدون ضوابط حكومية مع تقليص دور الدولة حتى فى ما يخص الحماية والعدالة الاجتماعية. ومن منتصف السبعينيات سعى كل من صندوق النقد الدولى والبنك الدولى إلى وضع وتطبيق حزمة من التوصيات لتفعيل توافق واشنطن فى العالم الثالث، ومن ضمن هذه التوصيات أن يُقَلص دور السياسة النقدية (البنك المركزي) فى زيادة فرص العمالة وأن تركز بالأساس على استقرار الأسعار، هذا مع العلم ان للسياسة النقدية والبنك المركزى تأثير فعال فى خلق فرص العمالة وبالأخص فى الدول النامية، وذلك عن طريق تحديد معدلات فائدة ميسرة تعمل على تشجيع الاستثمارات الإنتاجية التى تخلق فرص عمل جديدة، أو عن طريق تسهيل الائتمان فى القطاعات ذات القدرة الأكبر على استيعاب عمالة جديدة.

 

 وكانت مصر من أول الدول التى طبقت حزمة توصيات توافق واشنطن كاملة، بما فى ذلك قانون البنك المركزى رقم 88 لسنة 2003، والذى على أساسه وضِعَت مسئوليات البنك المركزى المصرى الثمانية والتى كان أولها «تحقيق استقرار الأسعار وضمان سلامة الجهاز المصرفي»، وفى نفس الوقت لم يُسند للبنك أى مسئولية تهدف إلى زيادة فرص العمالة، رغم الأهمية الإستراتيجية لهذا الهدف وارتفاع معدلات البطالة.

 

ولكن الغريب فى الأمر ان «ما هو محرم علينا حلال عليهم»، حيث ان توصيات توافق واشنطن لم تطبق فى الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة الشريك فى هذا التوافق وأكثر دول العالم تطبيقاً للنظام الرأسمالى. فإذا نظرنا إلى مسئوليات النظام الاحتياطى الفيدرالى (البنك المركزى الأمريكي) الأربعة نجد أولها يسعى إلى تحقيق أقصى قدر من فرص العمل قبل ان تسعى إلى تحقيق استقرار الأسعار! الم ينظر المُشَرع إلى نظام البنك المركزى الأمريكى قبل ان يسن قانون 88 لسنة 2003، ام أراد المُشَرع ان تكون مصر دولة أكثر رأسمالية من الولايات المتحدة الأمريكية؟

 

●●●

 

لكن يبدو ان صياغة المادة 206 فى مسودة الدستور الجديد اتبعت نص قانون 88 دون تدقيق أو دون مراجعة أهل الخبرة. ان ترك المادة 206 على وضعها الحالى قد يؤدى إلى نجاح الطعن فى عدم دستورية أى قانون جديد للبنك المركزى يصلح الخلل والعوار الاقتصادى فى قانون سنة 2003 (وهذا أمر ضرورى) بحيث يَسند القانون الجديد للبنك دورا فعالا يسعى من خلاله إلى زيادة فرص العمل فى المجتمع المصرى ويجعل هذا الهدف أكثر أهمية وله أولوية على هدف استقرار الأسعار. ولذلك فقد يكون من المفيد إعادة النظر فى صياغة المادة 206 كما يلى «يضع البنك المركزى السياسة النقدية والائتمانية والمصرفية، ويشرف على تنفيذها، ويراقب أداء الجهاز المصرفى، ويعمل على زيادة فرص العمل وتحقيق استقرار الأسعار؛ وله وحده حق إصدار النقد. وذلك كله فى إطار السياسة الاقتصادية العامة للدولة».

 

هذا المقال يعكس رؤية الكاتب وليس له علاقة بالمؤسسة التى يعمل بها. 

 

 

 

خبير اقتصادى بالأمم المتحدة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved