«لن تثلج مجددا».. فيلم ساحر.. ودرس فى الأداء

خالد محمود
خالد محمود

آخر تحديث: الجمعة 13 نوفمبر 2020 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

منذ أن نصحنى الفنان الراحل أحمد ذكى أن لا أشاهد الأفلام بأية أفكار مسبقة، وأنا أترك العنان لخيالى ومشاعرى تستقبل الفيلم وكأنه عالم جديد، أعيش معه كما هو، أتوحد مع شخصياته بلحظات ضعفها وقوتها، انكساراتها وانتصاراتها.
وعلى شاشة مهرجان الجونة السينمائى شاهدت أحد أفضل أفلام العام سحرا، وهو البولندى الألمانى «لن تثلج مجددا» إخراج مالجورزاتا سزوموسكا التى تطرح دائما فى أفلامها أفكارا لم تكن معهودة فى ثنايا مضمونها وجمالياتها وميشال إنجليرت مدير التصوير الذى شاركها الإخراج، ذلك الفيلم الممتع بكل أجوائه ومفرداته وكأنه السينما كما يجب أن تكون، أو التى أحلم دائما بمشاهدتها.
البداية كما النهاية تساؤلات مؤرقة تفرض نفسها حول بطلنا زينيا الشاب الأوكرانى وخلفيته المجروحة بتشيرنوبل حيث ولد بالقرب من الحادث، وظهوره وكأنه ملاك يطيب بخاطر الجميع ويملأهم بالأمل، ثم يتركنا مختفيا من على وجه الأرض وسط دهشة الشخصيات المحيطة الذين تطهروا من وساوس القلق والخوف.
فى السيناريو المحكم وكأن كل مشهد لوحة تشكل دنيا قائمة بذاتها، نشاهد المجتمع البولونى البرجوازى البارد وهو محاط بأسوار كرمز على انغلاقه على نفسه وآلامه وأوهامه، مجتمع فخم بلا روح وهنا يظهر زينيا الذى يعمل مدلكا، قادما من أوكرانيا، يستمع بصبر إلى أزمة كل فرد وهو يدلك كل جزء فى جسده، ويقوم بتنويمه ثم يوقظه وكأن كل لحظات المعاناة تختفى على يده وتبدو الصورة كاشفة الستار عن حقيقة الأشخاص المتخفين وراء قوالب نمطية.
يقدم لنا السيناريو الأفضل لهذا العام نماذج متنوعة من البشر كل منهم لديه حالة من المعاناة، من إدمان الكحول والمخدرات، إلى الملل، وجفاء الحب، فى كل مشهد يحمل زينيا طاولته المطوية تحت ذراعه، ويذهب من منزل إلى منزل لزيارة زبائنه بالقصور الصغيرة المتماثلة.
فى المشهد الأول، نراه وهو ينوم مسئولا حكوميا، وأثناء نومه، قام زينيا بتزوير توقيع المسئول حتى يصبح مقيما فى بولندا بعد أن رفضت إقامته مرات، مواهب زينيا لا تتوقف عند التنويم المغناطيسى، إنه يجيد كل لغة، ويمكنه تحريك كوب من جانب واحد من طاولة إلى أخرى عن بعد. قد يبدو هذا كما لو أن الفيلم هو جزء من الخيال، لكنه حقيقى بشكل يجعلك تتوحد معه.
زينيا له تأثير كبير على زبائنه المحطمين، كونه مجرد شخص خارق للطبيعة قادر على إحلال السلام لمن يحتاجون إليه، ويظهر ذلك بوضوح فى تعاطفه معهم، منكرا لذاته، حتى الرجل الذى يتلقى العلاج الكيميائى للسرطان، يقول إن تدليك زينيا يمنحه الأمل والطاقة وأنه يمحو المرض ببطء، وكذلك مع الأم الحامل، وأصبحت رحلاته المتكررة إلى ضواحى المدينة وشوارعها بمثابة صورة سينمائية مذهلة بسريالتها وتأثيرها البصرى المتقن لمجتمع فاخر يشبه إلى حد كبير السجن، والتى قدمها المصور لميشال إنجليرت، وكانت شبيهة بالأحلام، مع أضواء تومض بشكل ينذر بالسوء وهو يسير على طول الطريق، كل ذلك وسط جاذبية أداء الممثل اليك يتجوف القوى والمتكن بتمسكه بخيوط الشخصية والذى كان من أفضل عناصر الفيلم، ومعه الممثلون مايا اوستازوكا وبرونيكا روزاتى وكاتارزينا فيجور.
هناك مفارقة ماكرة فى تصوير دولة كانت ذات يوم جزءا من الشرق الشيوعى وهى الآن يائسة لإبعاد نفسها عن ماضيها، لكنها احتضنت نوعا مختلفا من التوافق القائم على النزعة الاستهلاكية. فى هذا السياق، يظهر زينيا كعودة تاريخية لشخص واجه القمع، ولكن أيضا الأبرياء القديسين، قادر على إرضاء أجساد وأرواح زبائنه، بينما تطارده خسارته اليائسة.
صور الفيلم المجتمع الفاخر وكأنه يشبه إلى حد كبير سجن وكل لقطة مصنوعة بإتقان، مع إضاءة تحقق أقصى درجات الأجواء الرمادية والضبابية والحزن الداخلى للشخصيات وموهبة الشاب الذى تخترق عيناه أرواح النساء الوحيدات.
المخرجة البارزة مالجورزاتا أصبحت بهذا الفيلم واحدة من أهم مخرجات بولندا اليوم، مع كل فيلم جديد، يبدو أنها تفتح آفاقا جديدة بقصص غير متوقعة تتحدى الجمهور لإيجاد باب لها، وقدم أليك أو تجوف، شخصية كاريزمية هادئة. تشكل درسا فى التمثيل ومعه ماجا أوستاسزيوسكا، أجاتا كوليزا، ويرونيكا روساتى، كاتارزينا فيجورا، أندريه شيرا.
دون شك الفيلم الذى عُرض الفيلم فى المسابقة الرسمية للدورة الـ 77 لمهرجان فينيسيا السينمائى الدولى، وينافس على الأوسكار، عبارة عن هجاء مؤلم ودراسة للوحدة فى العصر الحديث بتأثيره الغريب والمثير للاهتمام فى عالم يرتجف وكأنه بكابوس حقيقى؛ حيث ظهر زينيا كمرآة يمكن للجميع من خلالها رؤية أنفسهم بوضوح شديد، كما أنه غنى جدا بالتلميحات الاجتماعية والسياسية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved