عيد من على بساط الريح

تمارا الرفاعي
تمارا الرفاعي

آخر تحديث: الأربعاء 12 مايو 2021 - 8:05 م بتوقيت القاهرة

كما كل عام أحسست ببطء شهر رمضان ثم استغربت سرعته! كما كل عام فرحت بقرب قدوم الشهر لكنى شعرت باختلافه هذه السنة وبثقله على قلبى. حاولت فى بداية الشهر الفضيل أن أتجاهل ما يبدو لى كل يوم وكأنه اقتراب من نهاية العالم، تابعت الحلقات الأولى من عدة مسلسلات فى محاولة منى بالتمسك بطقوس اجتماعية وثقافية نوعا ما لكنى عدلت عن ذلك بسرعة.
***
فى المقابل، اقتطعت من كل يوم بعض الوقت للتفكير بما تغير من حولى ومنعنى من الانخراط بالشهر كما أفعل كل عام. سرعان ما حلت ذكرياتى مكان التفكير الذى كنت أريده بعيدا عن الحنين وأقرب إلى تمرين موضوعى أرتب من خلاله أفكارى. أردت أن أفكر بموقفى من أشياء كثيرة تغيرت فى السنوات الأخيرة، من المشهد السياسى إلى العلاقات الإنسانية إلى الدين والروحانية، مرورا بشعورى كأم لم تعد شابة ولا ترى نفسها فى منتصف العمر بعد. حضرت لجلساتى اليومية مع نفسى كما أحضر عموما لملفات تتعلق بالعمل، حتى أننى أضحك من نفسى الآن وأتساءل لماذا كل هذه الصرامة فى التحضير لساعة يومية من التفكير الحر؟
***
عموما فقد ثار التفكير الحر على التفكير المنضبط ولم ألتزم أبدا بخطة العمل مع نفسى. انتقلت كما لو كنت أملك بساط الريح عبر السنوات والمدن، داعبت روائح الحارات روحى والتصقت بها قليلا كل يوم. تصفحت الفضاء الافتراضى بحثا عن وصفات وحكايات قديمة. تبا لمحاولاتى للتمسك بما لم يعد موجودا، هذه من سمات منتصف العمر! تبا لمحاولاتى أن أرمى مرساتى حيث أنا، يبدو أن للحنين تيارا يجرف أكبر مرساة.
***
على بساط الريح أطير فوق الماضى والمستقبل، أقفز من محطة إلى أخرى ولا أفهم أحيانا العلاقة بينهما، خصوصا وأننى لا أستطيع النزول من على البساط وأكتفى بالمراقبة من فوق. أبى مهندس شاب، ثم رجل متقدم فى العمر يقرأ ولا يأبه لما حوله. زوجة شابة ترفرف كالفراشة فى البيت وخارجه، ثم ها هى جدة ترفض أن تخرج قبل صلاة العشاء. أطفال، هل هذه أنا أم ابنتى؟ صديقة الطفولة تجلس على مقعد المدرسة ثم ها هى فى بيتها مع طفلين. طائرة يدخن من على متنها بما فيهم والدى ثم منع التدخين فى كل مكان. عروس أظن أنها إحدى قريباتى وها هى أمى تتحرك حولها وتعطى إرشادات لا أعرف لمن. أرى نفسى أحيانا وأحيانا أخرى لا أرانى، ربما لن أكون جزءا من هذه المرحلة، أين ذهبت؟ ربما لم أعد موجودة؟
***
أعترف أننى أخاف من الموت، من موتى أنا ومن رحيل من حولى. أذكر صديقة لوالدتى قالت يوم توفى زوجها أنها لا تريد اللحاق به فاستغرب من حولها بينما أصرت هى أنها تحب الحياة ولا تريد أبدا أن تفكر برحيلها بعد زوجها رغم أن كثيرا من الرثاء يتضمن سؤالا قد يكون مجازيا حول ما سوف يفعله الشخص بعد رحيل من يحب.
***
هكذا إذا تتحول ساعة التأمل التى أردتها يومية فى شهر رمضان إلى قفزات سريعة بين السنوات. لا مفر من الحنين إلى ما مضى وتجميله ليصبح أكثر قبولا. كما لا مفر من محاولة قراءة المستقبل باحتمالاته العديدة، بعضها أتواجد فى صورها وأختفى فى بعضها الآخر. دقائق يومية أريدها للتنفيس عن القلب فتملؤه بمزيج من الشوق والترقب!
***
أغار من المتصالحين مع أنفسهم ومع ما حولهم، أغار ممن يسلمون بأقدارهم إلى قوة خارجهم وهم مقتنعون أنهم لن يستطيعوا قط أن يسيطروا على كل جوانب حياتهم وما يحيط بهم. أظن أن ثمة حكمة ونضجا فى القبول، هو قبول وليس خنوعا، أظن أننى أبحث عن هذه الحكمة.
***
مع أول أيام العيد، أتمنى لى ولمن حولى راحة فى القلب، رضا فى النفس، قبول فى العقل، لياقة فى الجسد، وتصالح مع الذات. أتمنى أن يكون الجميع قد سمع ولو مرة واحدة الأذان الجماعى من الجامع الأموى فى دمشق وتهليلات العيد التى لا مثيل لها فى بالعالم. أتمنى أن تدخل رائحة كعك العيد وصوت صنعها وصفها فى الصوانى على كل من يتأمل العالم من حوله. سوف تتكفل رائحة الكعك بإزاحة الحزن، أو هكذا أظن. أتمنى أن يكون للجميع بيتا للعائلة يلتقى فيه الكبار والصغار حتى فى غياب البعض، وأن يتواجد ثلاثة أجيال فى أول يوم فى العيد، إذ لا اجتماع عائلى لأقل من ثلاثة أجيال، هكذا فهمت من مراقبتى للعيد على مدى عقود. مع أول أيام العيد أتمنى أن يعرف الشباب والأطفال اليوم أن العيد يعنى عيدية وثيابا جديدة ولعب مع أولاد الجيران فى الحارة، ومراجيح وأحصنة ودراجات نستأجرها لنصف ساعة بنصف قيمة العيدية. عيد سعيد لكل من استخدم بساط الريح وزار مراحل ماضية وقادمة ثم نزل عنه مع الكثير من الرضا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved