المقاومة الفلسطينية وحكمة التخاذل

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الأربعاء 12 مايو 2021 - 7:59 م بتوقيت القاهرة

مرة أخرى لا يجد الفلسطينيون سوى أرواحهم ودمائهم للدفاع عن وجودهم فى مواجهة عدوان إسرائيلى لا يتوقف، وتواطؤ دائم من غالبية حكام العالم، عربا كانوا أو عجما. ومرة أخرى تخرج علينا أصوات «الحكمة والتخاذل» العربى لتتحدث عن خطأ لجوء الفلسطينيين فى قطاع غزة إلى ما بأيديهم من أسلحة بسيطة لمواجهة آلة القمع العسكرية الإسرائيلية الباطشة بدعوى أن لجوء المقاومة الفلسطينية إلى هذه الأسلحة البسيطة، التى لا تملك غيرها، توفر لإسرائيل مبررا لقصف قطاع غزة بكل ما فى ترسانتها العسكرية من صواريخ ومدافع، وكأن إسرائيل تحتاج إلى مبرر لقصف القطاع، أو اعتبار الأراضى الفلسطينية أهدافا للرماية والتدريب فى كل وقت!.

هؤلاء الذين يتشدقون بالحديث عن خطأ لجوء المقاومة الفلسطينية إلى السلاح، وأولئك الداعين إلى التمسك بالسلمية، يتجاهلون، إما عن عمد وتواطؤ، أو عن خطأ وسوء تقدير، حقيقة أن الفلسطينيين التزموا طوال السنوات الماضية الهدوء، فماذا كانت النتيجة؟ تطبيع مجانى، وهرولة أنظمة عربية إلى حضن تل أبيب الدافئ، وصمت مريب على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وفتح الباب على مصراعيه أمام إسرائيل لالتهام المزيد من أراضى الضفة الغربية، حتى وصلنا إلى محاولة طرد الفلسطينيين من حى الشيخ، التى كانت وراء اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الجديدة.

وإلى الذين يقولون إن لجوء المقاومة الفلسطينية إلى السلاح البسيط، يمنح إسرائيل مبررا لقتل الفلسطينيين، نقول إن قوات الاحتلال الإسرائيلى قتلت أكثر من 327 فلسطينيا فى قطاع غزة أثناء مسيرات العودة التى كانت سلمية تماما، وشاهدنا كيف لجأت تل أبيب إلى استخدام الصواريخ المحمولة على طائرات «إف 16» الأمريكية الصنع، والأسلحة الثقيلة فى قتل عشرات الفلسطينيين فى القطاع لمجرد سقوط بضع بالونات مشتعلة فى أراضٍ خالية فى الشطر المحتل من الضفة.
بعض العرب ممن باتوا يتحدثون، للأسف، بلسان عبرى، يتناسون عن عمد حقيقة أن هذه الجولة من المواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما غيرها، من الجولات طوال العقود السبع الماضية، فرضتها إسرائيل ببطشها وتجبرها وباستسلام بعض أنظمة الحكم العربية وتخليها عن حقوق الشعب الفلسطينى، فلا يجب أن نتغافل عن أن القصف الصاروخى الفلسطينى جاء ردا على محاولة إسرائيل طرد الفلسطينيين من بيوتهم فى حى الشيخ جراح بالقدس المحتلة فى ظل تواطؤ رسمى عربى ودولى، وكالعادة، لم نسمع سوى الدعوات الممقوتة لضبط النفس والهدوء.

فى الوقت نفسه فإن المقاومة الفلسطينية نجحت، حتى الآن على الأقل، فى إلحاق الألم بالإسرائيليين، وتذكيرهم أن الشعب الفلسطينى لن يصمت على حملات القمع والتنكيل طوال الوقت، حتى وإن دفع مقابل ذلك ثمنا باهظا. فعندما يقضى سكان العديد من المدن الإسرائيلية ليلتهم فى الملاجئ، وعندما تسقط صواريخ المقاومة الفلسطينية البسيطة على تل أبيب وعسقلان وأسدود وعندما تضطر تل أبيب إلى إغلاق مطار بن جوريون الدولى، وعندما تضطر الحكومة الإسرائيلية إلى التراجع عن خطة طرد الفلسطينيين من حى الشيخ جراح، فهذا يعنى أن الفلسطينيين بصدورهم العارية وأسلحتهم البسيطة قادرون على إثارة خوف العدو المتجبر وتحقيق بعض المكاسب، والأهم من ذلك أنهم قادرون على إعادة تذكير العالم بوجود قضيتهم التى ظن الكثيرون أن النسيان طواها.

يخوض الفلسطينيون معركة الدفاع عن وجودهم الشرعى، وحقهم الطبيعى فى الحياة، أمام عدو غاصب لأرضهم، فمن كان له كلمة طيبة ترفع من معنوياتهم، وتشد على أيديهم، فأهلا بها، أما المتخاذلون، وأصحاب الأسطوانات المشروخة عن الواقعية، وغيرها من الكلمات الجوفاء التى تدعى الحكمة الباطلة، فصمتهم خير لنا ولهم.
أشرف البربرى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved