عن الدَّراجة

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 11 يونيو 2021 - 8:30 م بتوقيت القاهرة

في شوارع المحروسةِ وعلى أرصفتِها تسير الدرَّاجاتُ منذ قديم الزمان. بعضُها غايةٌ؛ يَقصد راكبُها مُمارسة نوع مُفضل مِن أنواع الرياضة، وأغلبُها وسيلةٌ؛ تنقل صاحبَها ما عزَّ عليه انتقالٌ أيسر مِن مكان إلى مكان.
•••
باتت الدرَّاجةُ على مرّ السنين أداةً أساسيةً لا غِنى عنها لتوصيل الطلباتِ من المحال إلى الزبائن في بيوتهم؛ يستخدمها طفلٌ أو صبيٌّ مَوكولة إليه المهمة؛ فيقوم بها خير قيام. يتحرك سلسًا وسط المشاه، وينحرف متفاديًا الحفر والنتوءات، ويصل في سرعةٍ إلى غايته دون خسائر تُذكر. لم توكل عمليةُ التوصيل أبدًا إلى فتاة؛ بل اقتصر الأمر دومًا على الرجال، وأظن الحالَ لم تتغير إلى وقتنا هذا، وقد تطور الأمر؛ فلم تعد الدرَّاجةُ العاديةُ هي الوسيلةُ الوحيدةُ أو المُثلى، إنما ظهرت الدرَّاجاتُ الناريةُ منافسًا وإن لم تطغَ.
•••
يحضرني دومًا ذاك المشهد المتكررُ لرجلٍ يرتدي الجلبابَ، يستقر على مقعدِ درَّاجته مَوفور الكبرياء، فيما يحمل فوقَ رأسِه أرغفةَ الخبزِ البلديّ الساخنة على مُسطَّح مِن الكرتون أو الخشب، لا يهتز هنيهةً ولا يبذل جهدًا في حفظ توازنه؛ بل قد يشاركه آخر الجلسةَ في ثبات، لا يبدو عليه قلقٌ، ولا تند عنه إشارةُ ذعرٍ مِن مَيلٍ أو ارتطامٍ وشيك.
•••
ظلت الدرَّاجةُ لعبةَ طفولةٍ أثيرة، يتباهى بها الصغار بين الصحابِ والأقران؛ فتلك تميزها إطاراتٌ سميكةٌ، وهذه بها سرعات مختلفة، وثالثة مَكابحها كامنة في البدالات بدلًا من موقعها المُعتاد. كثيرًا ما تبارينا جيرانًا وأصدقاءَ يقطنون شارعًا واحدًا في السير بالدرَّاجةِ دون أن نلمس مقودَها، وفي الوقوف فوق مقعدها، وكثيرًا ما حاولنا رفع العجلةَ الأمامية وكأننا نعتزم الانضمام إلى لاعبي الأكروبات، كثيرًا أيضا ما سقطنا وأدمت السقطاتُ مرافقنا وسيقاننا؛ لكنها لم تفت في عضدنا، ولا أقعدت عزيمتَنا عن السقوطِ مرة أخرى.
•••
تحوَّلت الدرَّاجةُ في الآونةِ الأخيرة إلى صيحةٍ انتشرت بين الأجيالِ الأحدث عمرًا؛ يقتنيها الشبانُ وتطلبها الشاباتُ؛ لا عن فقرٍ أو لغيابِ بدائلَ تكفل انتقالًا آمنًا وسريعًا، بل عن رغبةٍ في حياة ذات مُعطيات مُختلفة، تُمارَس بقدرٍ أكبر مِن الحرية، وتعطي مَن يختارها تفردًا وثقة.
•••
صار مألوفًا أن يقصدَ الطالبُ جامعته على درَّاجةٍ، وأن تتحركَ الفتاةُ قاصدةً عملها على درَّاجة، وأن تلتقي مجموعاتٌ في نهايةِ الأسبوع لتجوبَ الشوارعَ مُعلنةً عن تقليدٍ جديدٍ تأخَّر في الظهور؛ فبلدان كثيرة مثلت الدرَّاجات في طرقاتها معلمًا رئيسًا منذ عقود؛ توفر ثمنَ الوقود، وتسهِم في حمايةِ البيئةِ، وتهدي قائديها صحةً أفضل.
•••
أدهش في الحقيقة كلما صادفت في شوارعنا أولئكَ وهؤلاء؛ فرادى أو في جموع؛ لا لعرقٍ يسيل أنهارًا في أشهر الصيفِ القائظة، ولا لجهدٍ أراه في المُطلقِ عديمَ الفائدة؛ بل لأن المبادرات الرسميَّة التي راحت تروج للدرَّاجات؛ لم تُعن بتوفير مُستلزمات القيادةِ المَنطقية؛ فلا طُرق أُعيد تصميمُها بما يحمي الدرَّاجين، ولا حارات قد خُصّصَت لهم؛ تُمنَع المَركباتُ الأخرى من الطُغيانِ عليها، ولا إشارات مرورية تنظّم فعلَ القيادةِ نفسه وتنصُّ على قواعده؛ قد ظهرت في أيّ مكان، رغم أن مناطقَ وأحياءً كثيرة تعرَّضت أروقتُها للتوسعة، وكان متاحًا أن تصبح صديقةً لمستخدمي الدرَّاجات، رحيمةً بالمُشاه، عادلةً بين طوائف الناس؛ لكنها اتخذت سمتَ العداء للجميع.
***
ليست الشوارع بعائقٍ وحيد؛ فثمَّة عوائقُ أخرى لا يُستهان بها، أسوأها أن يتحركَ المرء في هواءٍ مسموم؛ تحتل جزيئاتُه الملوثة مركزًا مرموقًا على مستوى العالم. دخانٌ أسود مُتصاعد من وسائلِ النقل على تنوعها ما بين خاصٍ وعام، تستقبله وجوهٌ عاريةٌ ورئاتٌ مفتوحةٌ؛ فتتحول الرياضةُ المفيدة إلى مصدر أمراضٍ صدريةٍ وتنفُّسيةٍ لا حصر لها. على كل حال؛ جرت العادةُ أن نكتفي مِن الأشياء بظاهرِها البرَّاق، وأن ندع جوهرَها لآخرين يعقلونها، فيتخذون من التدابير ما يُحقق المَرجو، لا ما يُزين الواجهة.
•••
منذ سنوات خلت؛ قررت المُغامرة، وقدت درَّاجتي مِن البيت إلى المدرسة مراتٍ مُتتالية. لم تكن صعوبةُ عبور الميدان وتبعات استنشاق العادمِ من احمرارِ العينين والسعال؛ بعواملِ حسمٍ دعتني للكفِّ عن استخدام الدرَّاجة جيئة وذهابًا؛ بل عقاب تلقيته للشذوذِ عن القاعدة؛ فالذاهبات إلى المدرسة كان عليهن الالتزام بقواعدٍ صارمة؛ الحافلة الخاصة أو سيارة العائلة أو السير على الأقدام. رغم العوائق جميعها؛ آنية وماضية، تغمرني السعادةُ كلما رأيت صبيةً أو شابةً على درَّاجة، تقضي بها ما عنَّ لها من حوائجَ بين الربوع، لا يقعدها عن اختيارِها طارئٌ ولا يعطلها سوءُ تخطيط.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved