شبكة التفاعلات الخارجية للجزائر فى محيطها الإقليمى


العالم يفكر

آخر تحديث: الجمعة 10 يوليه 2020 - 8:40 م بتوقيت القاهرة

نشر مركز الإمارات للسياسات مقالا حول ما طرأ من تغيرات على السياسة الخارجية الجزائرية بالتركيز على تفاعلاتها فى ثلاث دوائر فى محيطها الإقليمى؛ ليبيا والساحل الإفريقى والبحر المتوسط... نعرض منه ما يلى:
يمكن تقسيم تفاعلات الجزائر الراهنة فى محيطها الإقليمى إلى ثلاث دوائر رئيسية؛ الدائرة الليبية، والساحل الإفريقى، ودائرة البحر المتوسط. على مستوى السياسة الخارجية لم يظهر الرئيس تبون تغيرا كبيرا عما ساد فى سنوات حكم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة فى تأكيده على أولوية الجزائر والحرص على بناء علاقات صداقة وتعاون مع كل دول العالم، لكن على مستوى الممارسات، عكست سياسة تبون العديد من مظاهر التغير. فأظهر اتجاها واضحا لتبنى نهج تشاركى فى عملية صياغة سياساته الخارجية، وظهرت مؤشرات على تغير فى أدوات السياسة الخارجية حيث تضمنت مسودة التعديلات الدستورية تعديلا يسمح للرئيس بتوجيه القوات الجزائرية إلى الخارج فى عمليات لحفظ السلام تحت إشراف أممى بشرط موافقة ثلثى أعضاء البرلمان، وأصبحت الجزائر على وعى تام بأهمية تفاعلها مع قضايا الجوار المباشر وشهدت الفترة الأخيرة مستوى مرتفعا من التفاعلات مع محيطها الخارجى.
احتل الملف الليبى صدارة قائمة أوليات تبون منذ مجيئه للسلطة. تمثلت محصلة شبكة العلاقات الجزائرية بمختلف القوى الناشطة على الساحة الليبية فى بناء «توازن جديد» يقوم فى شقه السياسى على استمرار دعم حكومة الوفاق فى طرابلس، لكن مع إنهاء القطيعة مع قوى شرق ليبيا. ويقوم فى شقه العسكرى على الامتناع عن تقديم الدعم العسكرى المباشر لميليشيات غرب ليبيا، مع غض الطرف عما تقوم به تركيا ودول أخرى فى هذا المجال لخلق توازن ميدانى مع الجيش الوطنى الليبى والاكتفاء بالتصريحات المتكررة عن رفض جميع أشكال التدخل العسكرى الخارجى.
منذ بداية الصراع الليبى سعت المواقف الجزائرية إلى احتواء مناطق جوارها وتأمين عدم انتقال الصراع داخل أراضيها، لذلك استكملت مسار دعم حكومة الوفاق والذى اتضح فى عدد من التفاعلات مثل استمرار التقارب بين الجزائر وحكومة الوفاق، الانفتاح الجزائرى الإيجابى على تركيا الذى عززه تنامى الدور الاقتصادى التركى إلى مستويات قياسية لتصبح من أكبر المستثمرين الدوليين فى الجزائر وأن تصبح الجزائر شريكا تجاريا رئيسيا لتركيا فى إفريقيا، التوافق بين الجزائر وإيطاليا بشأن دعم حكومة الوفاق ورغبتهم فى تحجيم الدور المستقبلى للمشير خليفة حفتر وهو ما يحقق أهدافا للبلدين تتجاوز الساحة الليبية وهو الحد من نفوذ فرنسا فى ليبيا.
ومن بين التغييرات الجذرية التى شهدتها السياسة الجزائرية فى ليبيا الانفتاح المفاجئ على المشير خليفة حفتر والمستشار عقيلة صالح فى شرق ليبيا مما يكشف عن رغبة الجزائر فى تقديم نفسها كطرف إقليمى متوازن فى علاقاته داخل ليبيا. ومن ضمن هذه التفاعلات فتح قنوات اتصال مباشر مع القادة فى الشرق الليبى بعد سنوات من القطيعة التامة. اتجاه الجزائر للشرق الليبى جاءت لتفادى خلق تناقضات كبرى مع حلفائها الإقليميين والدوليين مثل روسيا التى تعتبر الزود الرئيسى للجزائر بالسلاح، إلى جانب المراجعة الجزائرية لمسار العلاقات الجزائرية مع مصر وهو ما أدى إلى تحسن نسبى فى العلاقات بين البلدين ورحبت الجزائر بإعلان القاهرة للتسوية السلمية للصراع فى ليبيا فى 8 يونيو.
أما فى دائرة الساحل الإفريقى التى كانت الجزائر اللاعب الإقليمى الأبرز فيه على المستويين الأمنى والسياسى قبل مرض الرئيس بوتفليقة، إلا أن إنجازاتها تآكلت فى السنوات الأخيرة مع تراجع الانخراط الجزائرى فى إقليم الساحل بعدما سحب البساط من قيادتها للجهود العسكرية المشتركة بعد أن تشكلت عام 2014 قوات مجموعة الدول الخمس ــ تشاد والنيجر وبوركينا فاسو ومالى وموريتانيا ــ بدعم فرنسى مباشر. ومن بين التغيرات المهمة التى شهدها الساحل الإفريقى تنامى الدور المصرى فى دعم عمليات مكافحة الإرهاب فى الساحل، مما يخلق فرصة للتقرب بين البلدين فى هذا الملف بالتحديد ومعاونة الجزائر فى مواجهة انتشار الإرهاب وانفراد فرنسا بالقيادة الفعلية.
لا ترحب الجزائر بالتمدد الفرنسى فى جوارها الجنوبى فى ظل عملية «برخان» التى بدأت فى أغسطس 2014 وعززت النفوذ الفرنسى فى المنطقة. وجود فرنسا يبدو غير محدد بسقف زمنى وخاصة فى ظل موقف تبون المتشدد فى علاقته بفرنسا، ومن شأن الموقف الجزائرى غير المرحب بفرنسا أن يدفع الجزائر إلى محاولة البحث عن آليات جديدة لتعزيز دورها فى إقليم الساحل المرشح لأن يكون أول المناطق الذى يشهد حضورا جزائريا عسكريا بعد تمرير التعديلات الدستورية. وتساهم التوجهات الأمريكية فى تقليص عدد القوات الأمريكية المنتشرة فى القارة الإفريقية عموما فى دعم جهود الجزائر لاستعادة دورها فى الساحل.
فى دائرة حوض البحر المتوسط، انتهجت الجزائر نهجا أحاديا سنة 2018 لترسيم حدودها وتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، وهو ما يتقاطع مع المنطقة البيئية التى أنشأتها إيطاليا عام 2012 غرب جزيرة سردينيا وتتقاطع بصورة أكبر مع المنطقة الاقتصادية الخالصة التى أعلنتها إسبانيا سنة 2013، إلا أن كلتا الدولتين فضلتا إدارة الخلاف من خلال القنوات السياسية المفتوحة بين البلدين. إلا أن إسبانيا مع مجىء تبون أصبحت أكثر عدائية وأعلنت وزيرة خارجيتها رفض مضمون المرسوم الجزائرى. المغرب على الصعيد الآخر انتهجت أيضا نهجا أحاديا فى ترسيم حدودها فى يناير 2020، وعلى الرغم من أن حدود المغرب لا تتقاطع مع ما رسمته الجزائر إلا أنه ينظر إليه كجزء من مشهد التنافس الحاد بينهما.... أما موقف الجزائر من المنافسة المتصاعدة فى شرق البحر المتوسط، فتتقارب المواقف التركية مع مصلحة الجزائر فى عدم الاعتراف بمنطقة اقتصادية خالصة للجزر... وتعزز الأبعاد الاقتصادية من هذا التقارب، فالجزائر تراجعت من المركز الثانى إلى الثالث فى قائمة مصدرى الغاز الطبيعى إلى أوروبا، ولذلك من مصلحتها تعطيل فرص التوسع فى استخراج الغاز من شرق المتوسط قدر الإمكان.
النص الأصلى
https://bit.ly/320o6T2

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved