من شروط المشاريع الإصلاحية

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الثلاثاء 10 مارس 2009 - 11:51 ص بتوقيت القاهرة

 هناك سوء فهم من قِبل سلطات الدولة العربية من جهة، ومن قِبل قوى مجتمعاتها من جهة أخرى حول ما تعنيه عملية الإصلاح أو المشاريع الإصلاحية التى تطرح بين الحين والآخر. ذلك أن الإصلاح هو آلية لغايات، وبالتالى فهو ليس بنشاط نهائى ما بعده شىء آخر. الإصلاح يجب أن ينظر إليه على أنه مجموعة من النشاطات لتهيئة المجتمعات للانتقال إلى تحولات وتغييرات كبرى يؤمل الوصول إليها فى نهاية مسيرة الإصلاح. أى أن الإصلاح هو سيرورة متنامية ومتراكمة ومتشعبة ومتغيرة هدفها تعديل وإصلاح النواقص والمحددات والأخطاء فى المجتمعات من أجل إعداد تلك المجتمعات للتقبُّل، وللانتقال بصورة هادئة وسلمية إلى تحولات جذرية كبرى فى مستقبلها المنظور.

من هنا فإن فترة الإصلاح يجب أن تكون فترة أخذ وعطاء، فترة مساومات وحلول وسط وخطوات متدرجة وعمل بنفس طويل وأخذ بعين الاعتبار التوازنات التى توجد قبل عملية الإصلاح. كل شىء، إبان هذه الفترة، يمكن المساومة عليه إلا التراجع فى خطوات الإصلاح أو عدم اتساع مجالاتها التدريجى، ولكن المتقدم إلى الأمام بصورة دائمة.

فى المجتمعات العربية التى عاشت قرونا طويلة حياة الاستبداد والتسلط يتمثل التحول إلى المجتمع الديموقراطى كأهم هدف للمشاريع الإصلاحية. بل إن الديموقراطية قد أصبحت هدفا رئيسيا متفقا عليه لكل المشاريع الإصلاحية المطروحة فى كل البلاد العربية بدون استثناء. والسؤال الجوهرى هو: ما هى النشاطات المفصلية التى يجب أن تكون من مكونات المشاريع الإصلاحية، حتى يحق لأى مشروع إصلاحى منها أن يدعى أنه يصب فى مجرى التحول الديموقراطى الجذرى الحقيقى، غير المظهرى، وغير المزيف؟. إذا كان لابد من وضع النشاطات المطلوبة فى قائمة أولويات، فإن أبرزها ما يلى:

أولا ــ وجود عقد اجتماعى بين الدولة ومجتمعها فى شكل دستور. ولما كان هذا الدستور هو حصيلة عقد بين الدولة ومجتمعها فإنه لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار مصالح الطرفين فى شكل متوازن. والمهم فى هذه الفترة، أن يؤسس الدستور لحقوق المواطنين وواجباتهم ويحدد التزامات الدولة، ويؤسس لنظام حكم قائم على عدالة القوانين والحريات والمواطنة، وفصل السلطات الثلاث، والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وأن تنفّذ بنود الدستور بشكل عادل وواقعى. ومن شبه المؤكد أن الدستور سيحتاج إلى تعديلات لاحقة، وخصوصا بالنسبة لنظام الحكم وقضايا الشرعية الدستورية، وذلك بعد وصول الدولة والمجتمع إلى مرحلة نضوج الديموقراطية وترسخها فى المجتمع.

ثانيا ــ من الضرورى وجود تفاهم وانسجام بين القوى المستنيرة المعتدلة فى الحكم وبين مثيلتها فى المعارضة. إن وجود مثيل مثل ذلك التفاهم سيجر قاطرة الإصلاح إلى بر الأمان وسيعزل القوى المتطرفة فى كلتا الجهتين عن لعب دور سلبى ومخرب إبان فترة الإصلاح.

ثالثا ــ سيكون من المستحيل على أى مجتمع الانتقال إلى الديموقراطية دون أن يسبق ذلك ترسيخ وقبول للثقافة الديموقراطية. والثقافة الديموقراطية يجب أن تنساب فى جسم الدولة لترسخ دولة القانون، والشفافية، ومناهضة الفساد والمحسوبية، واحترام حقوق المواطنة، والفصل الحقيقى بين السلطات واستقلالها. ويجب أن تنساب تلك الثقافة فى جسم المجتمع للأخذ بالأساليب السلمية، وممارسة فضيلة التسامح، والابتعاد عن إعلاء شأن الولاءات الفرعية كالطائفية أو القبلية فوق الولاء للوطن، وقبول التعددية السياسية، وتبنى الأساليب الديموقراطية فى مؤسساته المدنية وفى مؤسسة العائلة، ومن المهم بمكان أن تقبل كل أيديولوجيات المجتمع بالثقافة الديموقراطية كمكون من مكوناتها، عند ذاك يصبح الانتقال إلى الديموقراطية ليس فوقيا، وإنما نابع من تربة المجتمع وبنيته التحتية.

الانتقال إلى الديموقراطية، عن طريق الإصلاح وليس الثورة، يحتاج إذن إلى توافق ندِّى بين الدولة ومجتمعها، إلى تعامل واضح وشريف بين الجهتين، وابتعاد كلى عن الخداع أومحاولات التزييف أو اللف والدوران، وإلى أشكال كثيرة من الآليات الانتقالية المؤقتة، وإلى جو عمل هادئ وسلمى، وإلى على الأخص قوى ملتزمة فى الطرفين تؤمن بعملية الإصلاح وتطورها على الدوام. عند ذاك، وعند ذاك فقط، سنصل إلى مجتمعات عربية متصالحة مع نفسها، ومتصالحة مع الغير، وقادرة على إبداع غايات ووسائل تجديدية فى السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، دون أى هزات أو زوابع من مثل التى نشاهدها يوميا فى حياتنا العربية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved