أسطورة الدولة العميقة

جورج فهمي
جورج فهمي

آخر تحديث: السبت 9 مارس 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

باتت الاجابة المعتادة لتبرير فشل الرئيس المنتخب فى تحقيق أى تقدم على المستوى الاقتصادى والأمنى هى المؤامرة التى تقودها مجموعة من العناصر الموالية للنظام القديم داخل مؤسسات الدولة المصرية، أو ما بات يطلق عليه الدولة العميقة، لإفشال مشروعات الرئيس. يحلو للبعض استخدام مصطلح «الدولة العميقة» فى محاولة لنسج مقاربة بين مصر وتركيا، وخاصة معركة رجب طيب أردوغان التى بدأها فى 2007 فى مواجهة عناصر الدولة العميقة داخل أجهزة الأمن والقضاء، وما يجابه الرئيس محمد مرسى من تحديات فى إدارة شئون البلاد حاليا.

 

•••

 

يشير مفهوم الدولة العميقة فى الحالة التركية إلى مجموعات من الأفراد داخل مؤسسات الدولة التركية والتى تعمل من أجل تحقيق أجندتها الخاصة، بصرف النظر عن أجندة النخبة السياسية المنتخبة. بينما مازالت قضية نشأة وطبيعة الدولة العميقة محل جدل صحفى وأكاديميا فى تركيا، فإن العديد من الشهادات تشير إلى أن بداية الدولة العميقة التركية كانت خلال سنوات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى، حيث عملت بعض المجموعات داخل الجيش التركى بالتعاون مع حلف شمال الأطلنطى لمواجهة صعود التيارات اليسارية والشيوعية فى تركيا. وقد قامت تلك المجموعات فى سبيل ذلك بتجاوز القانون من خلال الاحتجاز والتعذيب، خاصة فى أعقاب انقلاب الجيش عام 1971. عقب انتهاء الحرب الباردة، لم ينتهِ عمل الدولة العميقة، بل استمرت فى الدفاع عما اعتبرته أسس الدولة التركية ومحاربة أعدائها وفقا لتعريفها. وقد ظل مفهوم الدولة العميقة يتردد على لسان السياسيين والصحفيين دون أى تحرك حقيقى بهدف الكشف عن تلك الدولة العميقة وخططها، حتى بدأ أردوغان فى ملاحقة عناصر الدولة العميقة فيما عرف بقضية «ارجينيكون» فى 2007.

 

•••

 

يختلف الوضع فى مصر تماما عن الحالة التركية، فالدولة المصرية منذ تأسيسها مع بدايات القرن التاسع عشر لم تكن يوما خارج طوع النخبة الحاكمة وظلت طول تاريخها فى خدمة قاطن القصر ملكا أو رئيسا. وبينما عانت عملية التحول الديمقراطى فى تركيا من أن الدولة التركية أكثر قوة من النظام السياسى المنتخب، فإن مصر على العكس، عانت من سيطرة النظام السياسى على مؤسسات الدولة حتى غابت الخطوط الفاصلة بين النظام والدولة. اضافة إلى ذلك أو ربما نتيجة له، شهدت الدولة المصرية خلال الخمسة عقود الأخيرة تدهورا ملحوظا فى أدائها فأضحت غير قادرة على تنفيذ القوانين واللوائح التى تقوم هى نفسها بسنها. باتت الفوضى وغياب الكفاءة والفاعلية هى السمة الرئيسية لمؤسسات الدولة، بدءا من إجراءات البناء مرورا بقواعد المرور وانتهاء بالمؤسسات التعليمية، حتى وصفها جلال امين بأنها صارت دولة رخوة.

 

عزيزى رئيس الجمهورية، لدىّ خبران، أولهما مفرح والثانى محزن: الخبر المفرح أنه لا توجد مؤامرة من مؤسسات الدولة لإفشال أو تعطيل خططكم أما الخبر المحزن فهو أن ما تراه من مظاهر لتلك المؤامرة كغياب الكفاءة والفاعلية واستشراء الفساد أضحت معالم أصيلة للدولة المصرية، لن تنتهى باستبدال بعض القيادات العليا أو الوسيطة، ولكنها تحتاج إلى إصلاح جذرى لمؤسسات الدولة وطريقة عملها. للأسف الحديث عن مؤامرة الدولة العميقة، هو تصور مغرق فى التفاؤل، يرى أن المشكلة فى أداء الدولة المصرية يكمن فى بعض الشخصيات التى تحتل مواقع مفصلية وأنه بمجرد تغيير واستبدال هؤلاء الاشخاص، فإن إداء مؤسسات الدولة سيتغير، بينما مشكلة مصر لا تكمن فى دولة عميقة، بل فى دولتها الرخوة.

 

•••

 

واجهت تركيا دولتها العميقة بملاحقات أمنية وإجراءات قضائية بهدف الكشف عن ما يحاك ضد السلطة المنتخبة من مؤامرات، أما الدولة الرخوة فى مصر، فهى ليست مؤامرة فى حاجة إلى تحقيقات، بل واقع يحتاج إلى تطوير وإصلاح حقيقى، حتى تستعيد مؤسسات الدولة كفاءتها، لتكون قادرة على تنفيذ ما تصيغه المؤسسات السياسية المنتخبة من قوانين وقرارات ومشروعات.

 

 

 

باحث بمنتدى البدائل العربى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved