نجيب شهاب الدين ملك الاستغناء

سيد محمود
سيد محمود

آخر تحديث: الثلاثاء 8 يونيو 2021 - 8:25 م بتوقيت القاهرة

مات الشاعر نجيب شهاب الدين وغابت معه صفحة مهمة من تاريخ مصر، ارتبطت بصعود ما سمى بـ«الغناء الاحتجاجى» الذى أعقب هزيمة العام 1967 وتكرس عبر ظاهرة الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم وارتبط بالحركة الطلابية المصرية بعد مظاهرات 1968 وظل عنوانا من عناوين النضال الوطنى الذى يتم استدعاؤه فى لحظات الزهو كما فى لحظات الانكسار.
وخلال ثورة يناير وما أعقبها استعاد المصريون إرثا نضاليا كانت على رأسه أغنية «يا مصر قومى وشدى الحيل» التى كتبها نجيب شهاب الدين وغناها الشيخ إمام وهى مع أغنية «سايس حصانك» من جواهر التاج ومن كنوز التجربة الغنائية الفريدة.
وما لفت نظرى بعد أسبوع من تشييع جنازة الشاعر الراحل أن الكثير من المثقفين لم يكونوا على دراية بتجربته الشعرية وأغلبهم لم يقرأ نصا واحدا له، وهو ما دفع البعض للوم أصدقائه المقربين لأنهم أهملوا تجربته الشعرية ولم يساهموا فى إشاعتها رغم قيمتها الفنية التى لا يجوز بأى من الأحوال أن تختصر فى أغنيتين أو أكثر.
وما لا يعرفه اللائمون أن شهاب الدين نظر لنفسه دوما كامتداد لتجربة الشاعر بيرم التونسى ومن قبله عبدالله النديم شاعر الثورة العرابية، ومن ينظر فى نصوصه يسهل عليه الاستدلال على شواهد كثيرة تؤكد هذا المعنى.
من باب الاكتئاب أو من دوافع الرضا عزف نجيب عن نشر الشعر راضيا مرضيا ورفض الكثير من العروض التى سعت لجمع كتاباته وكان أكثرها جدية عرض الدكتور أحمد مجاهد حين كان يتولى رئاسة هيئة قصور الثقافة.
كان شهاب الدين من طينة انسانية فريدة، لا أظن أنها ستكرر فى حياتنا الثقافية، فقد استحق عن جدارة لقب «ملك الاستغناء» كما وصفه صديقه المترجم بدر الرفاعى.
وأدرك بحس صوفى عميق أن الاستغناء هو القوة الحقيقية، فلم يزاحم أحدا على فرصة أو شهرة أو مساحة للنشر وحافظ على عاداته التى أوجدها وأهمها: النفور من الصخب.

ارتضى الراحل بالعدم كفضاء للاحتجاج
وعاش الحياة البسيطة التى تلائم مزاجه الشعرى الأقرب لمزاج راهب استقر فى قلايته بعد سنوات من الشك والسفر والتجوال والمغامرة.
أحب نجيب شهد العزلة وكان مثل كل فلاح كريم يحتفى بالغرباء الذين يطرقون بابه ومعهم صحبة من الأصدقاء، كانوا يتوافدون على شقته فى الملك الصالح متى شاءوا يستمتعون بصحبته، ويشكلون مفردات عوالمه التى يمكن تلخيصها فى قليل من الكتب والكثير من لعب الطاولة على خلفية من نوادر الموسيقى العربية القديمة، والتواشيح وقراءة القرآن الكريم الذين كان ينتقى أصواتهم بذائقة مثل ميزان الذهب.
فى جلساته التى ضمت صنوفا من البشر، لم يكن نجيب محبا للكلام الكبير، ربما تحدث فى الموسيقى أو التاريخ الذى كان يعشقه وينفر من النميمة التى تطال أصدقائه التاريخيين رغم أنه اختلف مع بعضهم الا أنه لم يكن من محبى الغيبة وتسميم الأجواء.
رأيته بنفسى يطرد أو يحتد على أفراد لم تكن فيهم الطاقة التى يبحث عنها وتقوم على الألفة وتبديد أسباب وجع القلب؛ لأنه تصالح تماما مع ما انتهى إليه من رضا جعله فى حالة من التسامى من يحب.
بحث فى حياته عن الجوهرى كصياد محترف وجمع حوله باقة من الأصدقاء الخلص الذين ظلوا معه إلى أن قرر العودة لقريته التى هجرها قبل نصف قرن ليموت فيها بهدوء كما عاش.
أعطى ظهره لمدينة رأى شبابها وهم يغنون أغنياته ولا يعرفون أن الكلمات التى هزت العالم وتصدرت مئات التقارير الإخبارية كانت تخصه وحين ألح عليه الاصدقاء لينزل إلى ميدان التحرير ثم الاتحادية ويرى بنفسه ما جرى عاد وقال لى: « الثورة حدث كبير، لكنها مثل مستشفى للمجانين، هناك من أنهى فترة العلاج وهناك من يبدأ منها رحلة المرض».
ورغم إصراره المزمن على تربية الاكتئاب إلا أنه لم يفقد أبدا صلته مع من يحب، تابع أحوال المقربين كأنه الراعى الصالح، يسألهم عن أدق التفاصيل فى حياة العائلة والأولاد، أعمارهم وعلاماتهم الدراسية والأغنيات التى يحبونها والأصوات التى يرتاحون لها، لا بغرض التلصص وإنما بأمل المشاركة والإطمئنان.
بقيت مكالماته الطويلة التى دامت معى لنحو عشرين عاما تنتهى دائما بعبارته الأثيرة «الله يعينكم، أيام صعبة» وعندما كنت اسأله أنا أو غيرى عن حاله يقول بصدق: « أنا زى الشعب المصرى»
وفى تلك العبارة الموجزة تتجلى أكثر من طبقة، ويتعايش فيها طعم الألم مع معنى الاعتزاز وهذا هو سر نجيب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved