حرية الاجتهاد والتجديد في مصر

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الجمعة 8 أبريل 2016 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

كنت محاضرا فى أحد المؤتمرات العالمية للحوار، والتى كانت عادة تعقد فى لبنان حتى عام 1975، حيث اندلعت الحرب الأهلية؛ وكانت حرب بين ميليشيات تابعة لدول فكانت هناك ميليشيا يمولها صدام حسين وأخرى معمر القذافى وثالثة قومية ناصرية ورابعة سورية...إلخ، وكان لإسرائيل دور واضح فى هذه الحرب، كما كان للفلسطينيين انتماءات مختلفة تحارب بعضها بعضا وبالطبع كانت لبنان هى الضحية أولا وأخيرا.

وبعد حرب لبنان كانت هناك فرصة تاريخية أن تفتح مصر أبوابها لهذه الهيئات والمؤتمرات، وبالفعل تقدم الكثير منها لكى يؤسسوا مكاتب لهم بالقاهرة والإسكندرية، وكانت ستجلب ملايين أو مليارات الدولارات، لكن للأسف كانت اليد المرتعشة للأمن والخوف المبالغ فيه يؤجل دائما الموافقة، رغم أن هذه الهيئات معروفة عالميا فى عالم التنمية التابعة للأمم المتحدة أو الحوار مثل مجلس كنائس الشرق الأوسط.

وهنا تحولت هذه الهيئات إلى قبرص والتى فتحت ذراعيها على اتساعها، فقد كانت قبرص بعد تقسيمها إلى قبرص يونانية وأخرى تركية بلدا صغيرا مجهولا، لكنها بُنيت وصارت دولة من أغنى دول الاتحاد الأوروبى، وتعدى الجنيه القبرصى الدولار والجنيه الإسترلينى فى ذلك الوقت، رغم أنها لا تملك أى مصادر طبيعية للثروة. وقد حدث ذلك على أنقاض لبنان حيث تحولت 90 % من مقرات الهيئات العالمية إليها، وبالتالى انتعش الاقتصاد القبرصى، وكان من السهل عقد الاجتماعات بقبرص، لأنها الأقرب لبلدان الشرق الأوسط. لكن بعد الربيع العربى، حدث انهيار فى العراق وسوريا ومصر وتونس واليمن وليبيا، وصارت المنطقة بأكملها تقف على أطراف أصابعها خاصة بعد ظهور داعش.

وقد قامت إحدى الهيئات الاجتماعية العالمية، بعقد مؤتمرها فى قبرص بعد الربيع العربى مباشرة، لكنهم لاحظوا أن الأمن هناك بدا يقلد الأمن ببلدان الشرق الأوسط فى توتره وطريقته وتوقعه لاختراق من داعش أو من أى منظمة متطرفة. فلقبرص خبرة سيئة بهذا الشأن؛ فقد قام الفلسطينيون فى نهاية السبعينيات باختطاف طائرة مصرية، فأرسل السادات حينها وحدة عسكرية خاصة بمحاربة الإرهاب إلى قبرص، وقدم بطرس غالى، وزير الدولة للشئون الخارجية، بناء على تعليمات من الرئيس السادات وعد للقبرصيين، بأن هذه الوحدة لن تهاجم الطائرة، وعلى هذا الأساس تركهم الجيش والأمن القبرصى ينتشرون فى المواقع التى اختاروها بالمطار، ولكن صدر الأمر للوحدة من قياداتها فى مصر بمهاجمة الطائرة متجاوزا وعود الخارجية المصرية، وحدثت مذبحة وكانت فضيحة فى نفس الوقت وعلى أرض قبرص أيضا.

وفى ذات التوقيت تقريبا، اغتال الفلسطينيون يوسف السباعى وزير الثقافة حينئذ، لأنه رافق السادات فى زيارته التاريخية لإسرائيل، وكانت منظمة فتح الفلسطينية والتى أسسها جمال عبدالناصر بعد هزيمة يونيو1967، قد أعلنت أنها ستغتال كل من سافر مع السادات إلى إسرائيل، ولأجل كل هذا لم يسترح الأمن القبرصى ويلتقط أنفاسه إلا بعد مغادرة أعضاء المؤتمر. من هنا جاء التفكير والبحث عن أبعد الأماكن عن الشرق الأوسط غير المستقر ووقع التوافق حول البلدان المفتوحة مثل جزيرة هونج كونج ومملكة تايلاند وسنغافورة.. إلخ.

***

فى مثل هذه المؤتمرات تتم زيارات للمساجد والمعابد والكنائس، وهكذا جاءت زيارتنا إلى شيخ جامع بانكوك الذى استقبلنا بوجه بشوش وفى حواره معنا قدم إسلاما حضاريا يحتضن جميع البشر، كنا فى يوم أحد، فبدأ حديثه بالقول «اليوم يوم الأحد إجازة فى كل تايلاند وندعوه يوم العائلة»، لذلك كان لابد أن أجلس مع عائلتى مثل كل أسبوع، لكن عندما أردتم تحديد موعد معنا اخترنا الأحد لكى آت وعائلتى وأتشرف بمقابلتكم، وقد استأذنت زوجتى – التى حضرت معنا بعض الوقت، أن تأخذنى بسيارتها إلى مكان الاجتماع فرحبت» وظهرت زوجته امرأة محتشمة الملابس محجبة ورحبت بنا.

وبدأ الحديث عن موقف الإسلام من الآخر المختلف والعيش المشترك والانفتاح على كل البشر. كان الشيخ يتحدث ببساطة وبطريقة مباشرة ولم تفارق الابتسامة شفتيه أبدا، واستطاع أن يقدم وجها نبيلا إنسانيا معاصرا للإسلام قائلا «إن هذا هو الإسلام الذى نعرفه ونعيش لأجله».
تحدث عن بداياته فى مدرسة للكاثوليك، وكان ينشد ترنيمة مريم ويضىء الشموع وقال «إن التعامل فى هذه المدارس أعطانى قدرة على احترام جميع الطقوس، قالوا لى فى المدرسة من الممكن أن تقول ما تشاء وترفض ما تريد». ويقول أيضا «إننى مازلت أذكر ترنيمة مريم وليس فيها أى كلمة ضد الشريعة الإسلامية، وأنا حتى اليوم أحب السيدة العذراء مريم لأنها أم سيدنا المسيح النبى من أولى العزم».

وعندما حدثوه عن «داعش» قال هذه ليست من الإسلام فى شىء، ونحن هنا لا نعرف عنها شيئا ولا نريد أن نعرف، وعندما سألوه عن أقوال الفقهاء العرب الذين رفضوا تكفير داعش، قال «الإسلام ليس بالقول والشهادتين ليستا مجرد كلام لكنهما فعل، فإذا قال أحدهم الشهادتين ثم أخذ يقتل الناس بدون ذنب ارتكبوه أو دون أن يكون لهم علاقة لهم بالقضية التى يحارب هو من أجلها؛ فهذه الشهادة لا قيمة لها عند الله لأن الفعل نفى وجودها». وعندما سأله البعض بعد الاجتماع عن رأيه فى القيادات والمؤسسات الإسلامية التى ترفض أى نوع من الاجتهاد أو التجديد فى الفقه الإسلامى، قال «إن هؤلاء يعتصمون بالقديم ويضعونه كأسوار من حولهم لأنهم غير قادرين على التفكير المعاصر أو العصرى، ويقفون عاجزين أمام اجتهادات العصر عاجزين عن الدفاع عن أفكارهم التى بليت بفعل الزمن، ويرفضها الشباب الذى تواصل مع شباب من العقائد الأخرى السماوية وغير السماوية وهم بذلك يظنون أنهم يسكتون الاجتهاد والعصرنة لكنهم لا يعلمون أن الاجتهاد والعصرنة سوف يقتحم فكرهم التقليدى عاجلا وليس آجلا وستفتح الأبواب على مصراعيها لكل اجتهاد، والاجتهاد الذى يصلح للعصر ولشبابه سوف يثبت والاجتهاد الذى لا يصلح للزمن القادم سوف يلقى به خارج التاريخ».

***

خرجنا من هذا اللقاء ونحن نضرب كفا على كف ونقول متى يكون فقهاء التلفزيون المصرى بهذه القامة، ومتى لا تتناقض تصريحات الرؤساء الدينيين بين الداخل والخارج؛ فهم يتحدثون عن مصر فى الخارج على أنها دولة حرية الرأى والاجتهاد، بينما هم ذاتهم يقمعون كل اجتهاد فى الداخل! متى يناقشون الموقف من الاجتهادات الجديدة والمعاصرة! ومتى يكون المشرع المصرى قادرا على فتح كل الأبواب للاجتهاد، وإلغاء القوانين سيئة السمعة سالبة الحرية للمجتهدين الدينيين أو السياسيين أو الاجتماعيين وعلى رأس هذه القوانين التى تعلن أننا دولة متخلفة كقانون ازدراء الأديان والذى لا مثيل له فى دول العالم المتقدم والمتوسط!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved