الفقراء يمتنعون

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الخميس 8 يناير 2015 - 7:50 ص بتوقيت القاهرة

لا أرى أى تفسير لقرار حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلغاء دعم زراعة القطن فى البلاد إلا تأكيدا للمؤكد بالفعل من وجهة نظرى وهو معاداة هذه الحكومة للفقراء مهما كان سيل الكلمات الرقيقة التى يغمرهم بها الرئيس ورئيس الوزراء وكل المسئولين.

فهذه الحكومة وجهت للفلاحين الفقراء 3 ضربات مؤلمة خلال الأشهر السبعة الأولى من حكم الرئيس بدأت بقرار رفع سعر السولار مما ضاعف تكلفة استخدام الآلات الزراعية بالنسبة للفلاح البسيط، ثم رفعت أسعار الأسمدة «المدعومة» التى تبيعها للفلاحين عبر الجمعيات الزراعية، وأخيرا قررت اغتيال زراعة القطن بدعوى أنه لم يعد «محصولا استراتيجيا» بحسب وزراء الحكومة.

ولم يكن قرار إلغاء دعم القطن إلا حلقة من مسلسل قرارات لا تضع الفقراء فى الحسبان بدأ برفع أسعار الطاقة ولن ينتهى بالزيادة المنتظرة فى أسعار تذاكر المترو، مرورا بالفوضى العارمة فى الأسواق التى تجعل العباد تحت رحمة مجموعات من المحتكرين الذين يتحكمون فى الأسعار ويرفعونها دون ضابط.

ولو كانت الحكومة تنظر ولو بنصف عين إلى الفقراء لقررت مع رفع إلغاء دعم القطن فرض رسوم حماية على وارداتنا من الأقطان المستوردة الرديئة من أجل حماية الفلاحين كما فعلت مع حيتان صناعة الحديد عندما قررت فرض رسوم حماية على الحديد المستورد لتحرم المواطن من الاستفادة بانخفاض أسعار الحديد العالمية وتضخ مئات الملايين من الجنيهات إلى حسابات حفنة من رجال الأعمال.

ولو كانت الحكومة تنظر إلى الفقراء ولو بنصف عين لوجهت جزءا من مخصصات دعم الصادرات التى يحصل عليها الكبار لمساعدة منتجى القطن لمساعدتهم فى مواجهة المنافسة القوية فى الأسواق العالمية باعتباره محصولا قوميا.

وبعيدا عن اعتبارات العدالة الاجتماعية وحقوق الفقراء وفى مقدمتهم الفلاحون الذين يعيشون فى هذه البلاد بلا «سند ولا مدد»، فإن السياسات الحكومية تجاه القطاع الزراعى جريمة اقتصادية لأنها ستؤدى إلى انهيار هذا القطاع الذى مازال يستوعب حوالى 30% من إجمالى قوة العمل، كما يسهم بنحو 14.8% من الناتج المحلى الإجمالى، وحوالى 20% من إجمالى الصادرات السلعية، وهو ما يعنى أنه أولى بالدعم.

المفارقة أنه فى حين تتخلى الحكومة عن الفلاحين هنا نرى حكومات أمريكا وأوروبا تصر على دعم الفلاحين هناك بمئات المليارات من الدولارات وترفض أى مساس بهذا الدعم حتى لو كان الثمن جمود مفاوضات تحرير التجارة العالمية منذ 2001.

الرئيس عبد الفتاح السيسى ووزراؤه يتحدثون كثيرا عن الفقراء والانحياز لهم تماما كما كان مبارك ومرسى يفعلان، لكن عندما يأتى وقت اتخاذ القرارات نرى أنها لا تنظر إلا إلى الأثرياء الذين يستطيعون التبرع لصندوق تحيا مصر.

إن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى تتبناها الحكومة تبدو حتى الآن استنساخا لسياسات الحقبة المباركية التى لم تكن ترى فى هذه البلاد رجال أعمال ومستثمرين ومؤسسات قوة تضمن لهذه الحكومة البقاء ولسطوتها الاستمرار بدعوى أن هذا المزيج هو الوصفة السحرية للنمو والاستقرار مع أن هذه السياسات لم تحقق أى نجاح اللهم إلا إذا كان مجرد البقاء فى السلطة 30 عاما قبل السقوط نجاحا فى حد ذاته.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved