رسائلٌ مِن فَوق الماء

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 7 مايو 2021 - 10:15 م بتوقيت القاهرة

منذ أسابيع وصلتني رسالةٌ قصيرةٌ احتفظت بها. ورقةٌ تقليديةٌ مَطبوعةٌ وتوقيع بخطِّ اليد، والمُحتوى شكر لتعاونٍ فكريِّ تمَّ، ودعوة لتكراره في المُستقبلِ القريب. العباراتُ مُختصرةٌ دقيقة؛ لا تزلُّف فيها ولا مُبالغة، واللغةُ الأجنبيةُ رصينةٌ وبسيطةٌ؛ لا تنوء بالتكلُّف ولا تُبطِن معانٍ غير التي تُظهِرها. تتحدث السطور ولا تواري شيئًا بينها أو وراءها.
***
الرسائلُ التي نستقبلها يوميًا لا حصر لها. منها ما يأتي عبر البريدِ كطريقٍ تقليديةٍ، وما يصل إلى البريدِ الإلكترونيّ؛ هذا إن كانت الرسائلُ شخصيةً، أما عن الرسائل العامة وكثيرها إعلانيّ؛ فمنها ما يُلقى في مَفارِق الطرق عبر نوافذِ السياراتِ العابرة إن كانت مفتوحةً، وما يُحشَر حشرًا في مسَّاحات الزجاج إن كانت العربةُ متوقفةً، وهناك أيضًا ما يُنثَر داخل البناياتِ السكنيةِ ليصادفَه الصاعد والهابطُ على السُّلم أو يجده ملقيًا في البهو. أوراقٌ سميكةٌ مُلونةٌ في أغلبِ الأحيان؛ تحمل رسائلَ مباشرة وأخرى غير مباشرة. تعلن الأولى عن تخفيضاتٍ على سلعٍ متنوعة وتنزيلاتٍ على الكميات الكبيرةِ منها، أما الثانية؛ فتوحي للمتلقي بأن هذا المتجر يَفضُل ذاك؛ بضائعه أجود وعنده مُقتضيات التوفير والتدبير، والتعامل معه فيه حتمًا مكسَب.
***
ثمة رسائلٌ إعلانيةٌ تخترق فضاءاتِ التواصلِ الاجتماعية، فتروِّج لمُنتجٍ بعينه مُستغلةً بيانات المُستخدِم المطروحة بلا تحفُّظات، يكاد إلحاحها واقتحامها لخصوصيةِ الزبائنِ المُفترضين، وإفصاحها الفجِّ عن الأخ الأكبر الذي يُراقب الجميع؛ أن يأتي بأثر عكسيّ، فيدفع الزبائنَ المُفترضين إلى التأفُّف من المُنتج الذي يقفز نصب أعينِهم دون استئذان.
***
بغضِّ النظر عن الوسيلة المُتبعة؛ فالرسالة المباشرة في فنِّ الإعلان مطلوبةٌ، ونقلُ المعلومةِ في أقصر زمنٍ مهارةٌ، وصد فعلِ التفكير عند المُتلقي وتعطيله واجبٌ خليقٌ بالاجتهاد والتخطيط؛ فمتى فكر المرءُ فيما يرى ويسمع، ومتى عقل مُحتوى الإعلان؛ أدرك أنه محضُ هزلٍ وخِداع، وأن المُنتجَ مثله مثل أشباهِه، سرعان ما ينطفئ البريقُ المُصاحِب له حال ظهور مُنتَجٍ جديد؛ يملِك المُعلنون عنه مهاراتٍ أعلى ومَواردَ أكبر.
***
أما عن الدراما فالأمر جدٌّ مُختلف، بل ينحو إلى النقيض. الرسائلُ المباشرةُ تُعَدُّ بمنزلةِ نقيصةٍ لا ميزة، والمعلومات المُقدَّمة بصورةٍ تقريريةٍ وكأنها نشرةُ أخبارٍ؛ تسطِّح الأفكارَ وتتطلْبَ شخصًا مُستعدًا للإيمان بما يُلقن، قابلًا لامتصاص ما لا برهانٌ عليه، عطِشًا لتلقي ما يتماشى مع نوازعه ومُعتقداتِه وانتماءاتِه، عازفًا عن استخدام دماغهِ.
***
كثيرةٌ هي الرسائل التي تصلنا عبر الدراما التلفزيونية، ومع اقتراب المَوسم الرمضانيّ من الانتهاء، واحتدام النقاشِ حول عديدِ المُسلسلات والأعمال؛ تظهر في الأفقِ مجموعتان؛ قلة مِن أعمالٍ تحترم أُسُسَ الدراما وتخاطِب عقلًا يُفترَض به توخي الحيادِ المَوضوعيّ والتمتع بشيء مِن المرونة والاستيعابِ والقدرةِ على مُسائلةِ المُسلَّمات، ثم أعمالٍ تضُخُّ رسائلَها خارقةً للبُنى المَنطقية، مَاثلة. ثمة رسائل جافة، خشنة، وجارحة، وأخرى أكثر نعومة تتهادى بين المياه.
***
الحال أن الراغبين في التعاطُفِ والتصديقِ يهللون ما وقعوا على ضالتِهم، أما الراغبين عن هضمِ وجباتٍ دراميةٍ جاهزة مُجففة؛ فينصرفون عن المشاهدةِ ويقفون على الجانب الآخر مُتحفزين لكشف السقطاتِ . الفريقان في مقامِ العراكِ؛ لفظًا إن لم تتطور الأمور لما هو أسوأ؛ فلا هذا قد فَكَّر وجرؤ على طرحِ السؤال، ولا ذاك احتفظ بطولِ البالِ وبدأ بالنقاشِ الجاد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved