هل يمكن للمصلحين أن يخطئوا؟

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الجمعة 6 أكتوبر 2017 - 10:20 م بتوقيت القاهرة

عنصران مهمان لابد أن يتوافرا لأى ثورة ناجحة فى العالم؛ الإلهام والتنظير.. فلابد لكل ثورة من مُلهم يُصَدر ثورته التى تجيش فى صدره إلى المحيطين به فيلهمهم ويثورهم ويحمسهم، فيلتفوا حوله ويؤمنوا به وبما آمن، وينطلقوا خلفه يحمونه من بطش الحكام أو الذين تهددهم الثورة، أما عامل التنظير فالثورات التى قامت على الإلهام فقط انطفأت سريعا وقُتل مفجروها أو حوكموا وأخمدت ثورتهم، لكن الثورة التى وجدت من يُنَظر لها ويضع لها قواعدها السياسية والدينية والعلمية التى يجدها الناس أمامهم بعد أن تنجح الفورة الأولى للثورة، فهى الثورات التى نجحت فى التاريخ، ومن أهم الثورات التى كان لها كثرة من الملهمين كانت ثورة 25 يناير، لكن مع الأسف الشديد لم يكن لها أى منظر يقدم خطة عمل واضحة يتمسك بتحقيقها الثوار على الأرض، وهكذا تشتت ثوارها.

أما ثورة الإصلاح الدينى فى أوروبا والتى بدأنا الحديث عنها فى المقال السابق فقد كان الملهم لها هو مارتن لوثر الراهب الذى وقف ضد البابا الحاكم الدينى والمدنى فى ذلك الوقت لكن ما كان لثورة لوثر أن تنجح لولا المحامى ورجل الدين جون كالفن، فبعد عشر سنوات من ثورة لوثر انقسم المصلحون إلى شراذم صغيرة واتجاهات متعددة، وبدأت موجة الحماس تتراجع وعدد من الذين انضموا إلى الإصلاح بدأوا فى التخلى عنه وبدا الحكم السابق وكأنه يستعيد عافيته، إلا أن جون كالفن عكف على وضع دستور لثورة الإصلاح ووضع لها قوانين تُثَبت أركانها وقام هو بنفسه بحكم مدينة جنيف طبقا لهذا الدستور، وقد تلقف أتباع الإصلاح الذين كانوا يتخبطون ولا يجدون كتابا أو فكرة شاملة للإصلاح تجمعهم، يتطلعون إلى كتاب كالفن «مبادئ الدين المسيحى» عام 1536 وبالطبع مع مرور الزمن يتذكر الناس كل ما هو إيجابى عن قادة الثورة ومنظريها وينسون أخطاءهم فهل لم يكن لهم أخطاء؟! الحقيقة أن قادة الإصلاح أخطأوا أخطاء فادحة وأقدم لك ــ عزيزى القارئ ــ بعض الأمثلة من أخطاء مارتن لوثر. فلأن مارتن لوثر رأى فى صكوك الغفران خطيئة اخترعها الكهنة لجذب الأموال للمؤسسة، وبحث عن مبرر لهذا العمل من الكتاب للمقدس فلم يجد ووجد العكس، فإذا به يرفض الاعتراف ببعض الأسفار التى رأى أنها تتحدث عن أهمية الأعمال الصالحة والتى صيغت فى شكل مسرحية شعرية، وكذلك التى كتبت برموز غير مفهومة. أما الخطأ الثانى لمارتن لوثر فأنه وهو فى نشوة الإصلاح اندفع نحو مهادنة اليهود ظنا منه أن كثيرين من اليهود رفضوا المسيحية بسبب تصرفات المؤسسة الدينية، وأنه لو قدم لهم مسيحية مُصَلحة سوف يتوبون ويتركون يهوديتهم، لذلك تودد إليهم واقترب منهم، وهم سعدوا بذلك، ولكى يجتذبهم كتب كتابا خصيصا لهم بعنوان «المسيح ولد يهوديا» لكن بعد قليل اكتشف أنهم يخدعونه فانقلب عليهم وبدأ فى مهاجمتهم فى كل خطبه وعظاته وكتب كتابا «فى اليهود وكذبهم» وطاردهم فى كل مكان، وهم قاموا بالرد عليه بطريقتهم المتدنية ورسموا وجهه على جسد خنزير، وعلقوا هذه الصورة فى كل أنحاء وتنبرج والمدن الألمانية الأخرى وصارت كراهية عبر الأجيال بين المصلحين وحركة الإصلاح. وعندما جاء هتلر إلى الحكم كان ممتلئا بفكرة الدم الأزرق للألمان واحتقاره لليهود فأرسلهم إلى أفران الغاز مما أدى إلى تعاطف العالم معهم خاصة أوروبا، ولقد تلقف اليهود هذا الفكر ليكون خلفية لتكوين الدولة طبقا لحركة التاريخ، فلاهوتهم يركز على أن الخلاص يتم من خلال الألم، فهم يعتقدون أن ما يعانونه من عقاب إنما هو من الله مباشرة فهتلر والسافاك من عمل الله وهذا تأكيد لاختيارهم «إياكم فقط عرفت من قبائل الأرض لذلك أعاقبكم على جميع ذنوبكم» سفر عاموس 3: 2 فعذابهم جزء من خطة الله لهم.

ولقد ثبت علميا أن الضغط والاضطهاد يأتيان دائما بنتائج عكسية من هنا جاء المؤتمر اليهودى 1897 وتلاه وعد بلفور 1917 وزير خارجية بريطانيا لهم بالأرض استثمارا من اليهود لهذه الكراهية ولعلك تتذكر ــ عزيزى القارئ ــ باقى القصة من حروب 1948، 1956، 1967، 1973 إلى الوضع الذى نعيشه اليوم، أما الخطأ الثالث فكان وقوف مارتن لوثر ــ مع الأمراء الذين قاموا بحمايته من سلطة الكنيسة ــ ضد ثورة الفلاحين على أمرائهم بسبب الظلم الواقع عليهم ضده فأيد محاربتهم وقتلهم وطردهم وأن هذا إنما تحقيق لإرادة الله. ثلاثة أخطاء أو ثلاث خطايا كانت ضحاياها تعد بالملايين.

•••

أما أخطاء أو خطايا جون كالفن فمعظمها فى الفترة التى حكم فيها جنيف، حيث أصر أن يجعل مدينة جنيف مدينة مثالية، فعمل على تطبيق النظام بطريقة صارمة.

وكان فى ذلك الوقت قسم بأكمله من جنيف تحتله البغايا وكان كالفن يعتبر هذا بمثابة خيانة للرب فأصدر فاريل أستاذ كالفن «إقرار بالعقيدة والنظام» وكان أى مظهر ينم عن الكاثوليكية مثل عمل مسبحة أو الاعتزاز بإحدى المخلفات المقدسة أو اعتبار عيد قديس يوما مقدسا يُعَرض من يبدو منه ذلك للعقاب. وسُجنت النساء لارتدائهن قبعات غير لائقة، وتم تقييد المقامرين بالأغلال وسيق مقترفو الزنا فى الشوارع إلى المنفى، وأصبح القساوسة تحت رئاسة كالفن أقوى منهم فى أى نظام للكهنة عُرف منذ عهد إسرائيل القديمة، وقال كالفن إن القانون الحقيقى لدولة مسيحية يجب أن يكون هو الكتاب المقدس، وأن القساوسة هم المفسرون الحقيقيون لذلك القانون، وأن الحكومات المدنية يجب أن تخضع لهذا القانون، وأن تدعمه كما يفسره رجال الدين.

والظاهر أن حكومة رجال الدين ظلت تسيطر على حكومة أقلية من التجار ورجال الأعمال خلال ربع قرن عجيب. ومارس رجال الدين سلطتهم على حياة أهالى جنيف من خلال مجمع الكرادلة أو مشيخة مكونة من خمسة من كهنة الإبراشية واثنى عشر شيخا للكنيسة من العلمانيين والجميع يختارهم المجلس. وكان كالفن يقبض على زمام السلطة وكان كالفن مدققا مثل أى بابا فى رفضه جريمة حرية العقيدة للأفراد فهناك هيئة من رجال الدين العلماء تصوغ عقيدة رسمية وعلى الذين لا يتقبلون اعتناقها من أهالى جنيف أن يبحثوا عن مواطن أخرى لهم، وأصبحت الهرطقة من جديد إهانة للرب وخيانة للدولة وكل من تثبت عليه يحكم عليه بالإعدام وبين عامى 1542، 1564 نفذ حكم الإعدام فى ثمانية وخمسين شخصا ونفى ستة وسبعون بسبب مخالفتهم للقانون الجديد.

وقرر مجمع الكرادلة أو المجلس تحريم المقامرة ولعب الورق والتجديف والسكر والتردد على الحانات والرقص، وفرضت الرقابة على المطبوعات، طبقا لسوابق كاثوليكية وعلمانية وتم التوسع فيها عام 1560 فقد حظر تداول كتب تتناول عقيدة دينية خاطئة، أولها نزعة تتنافى مع الخلق القويم، وقدر لمقالات مونتانى وكتاب « أميل» لجان جاك روسو أن يقع تحت طائلة هذا الحظر. وكان الحديث عن كالفن أو رجال الدين بازدراء يعد جريمة، والإصرار على المخالفة بالسجن أو النفى.
لا شك أنه فى دولة يختلط فيها الدين بالسياسة والحكم يصبح المعارض كافرا، كان من الطبيعى أن تكون أشد المعارك التى خاضها كالفن هى معاركه مع الوطنيين المتحررين، وفى هذا الإطار اتهم سرفتوس بالهرطقة وسرفتوس هذا كان عالما لاهوتيا وفيزيائيا وطبيبا إسبانيا وأصدر فى عامى 1531، 1532 أول وثانى طبعة من مؤلفه وفيه أوضح أن يسوع كان إنسانا نفخ فيه الله كلمته وحكمته الإلهية، واعتقل سرفتوس فى قصر سابق لأحد الأساقفة، وفى 24 أكتوبر 1553 حكم على سرفتوس بالإعدام حرقا. وقد طلب كالفن وهو رئيس المجلس بأن يعدم بالسيف بدلا من الحريق لكن وبخه أستاذه وليام فاريل فى رسالة بتاريخ 8 سبتمبر 1553 للتساهل الذى اعتبره لا داعى له. فى 27 أكتوبر تم إحراق سرفيتوس بأمر كالفن ومجلسه خارج جنيف. أيضا قام كالفن بنفى فسباسيان كاستيليو الفرنسى عالم اللغات وكانت خطيئة كاستيليو أنه ضد عقيدة الاختيار «القضاء والقدر» عند كالفن ومات فقيرا بالغا من العمر ثمانية وأربعين عاما (1563) وقال كالفن إن وفاته المبكرة حكم عادل من إله عادل.

•••

لا شك ــ عزيزى القارئ ــ أنه جاء فى ذهنك وأنت تقرأ هذا المقال أنه ينطبق تماما على ما يحدث فى مصر والوطن العربى من قوانين ازدراء أديان ومصادرة كتب بادعاء الأخلاق، وتمجيد لرجال الدين وفتاواهم، وكأننا نحكم من المؤسسة الدينية.. أذكرك فقط أن كل ما كتبته كان فى القرن السادس عشر أى من خمسمائة عام ولم يكن هناك نظام أفضل وأعظم وأرقى، أما مصر والوطن العربى فهم مازالوا يعيشون عصور الظلام فى القرن السادس عشر فى وسط عالم يعيش زمان الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد تجاوز هذا التخلف السياسى والدينى بكثير، فأوروبا فى القرن السادس عشر لم تكن دولة شاذة عن باقى الدول أما نحن فدولة خارج الزمان تعيش القرون الوسطى بامتياز. فاستمتع بها إن أردت ذلك.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved