مهنة المراسل الحربى لم تعد تستحق المخاطرة


قضايا إعلامية

آخر تحديث: السبت 6 سبتمبر 2014 - 1:30 م بتوقيت القاهرة

نشرت مجلة ذا نيو ريبابليك الأمريكية مقالا للكاتب توم بيتر، صحفى مستقل أحداث منطقة الشرق الأوسط وأفغانستان لمدة سبع سنوات. ويكتب حاليا عن أمن الحدود والهجرة كزميل ببرنامج روبرت نوفاك للصحافة. يعرض من خلاله استيائه من عدم تقدير الناس لما يقوم به المراسل الحربى من مخاطرة والتشكيك الدائم فى الأخبار التى يضحى بنفسه فى سبيل الحصول عليها. كتب بيتر يقول؛ قبل عام ونصف العام، وجدت نفسى فى غرفة المعيشة من شقة سكنية فاخرة تطل على الشاطئ فى نابولى، فلوريدا. فقد كنت أعمل مراسلا فى الشرق الأوسط، وأعود فى زيارة إلى الولايات المتحدة، للمرة الاولى منذ عامين. وأمضيت أنا وعائلتى العطلة فى جولات أدت بنا إلى هذا المنزل لأصدقاء أثرياء.

وسألتنى مضيفتنى عن مكان إقامتى. وأجبتها: «بلدة صغيرة فى جنوب تركيا». فسألت عما أفعله هناك. «أنا صحفى يغطى سوريا».

فقالت، من دون تردد: «هل تقاريركم صادقة» بطريقة مقحمة، كمن يسأل مصارع عما إذا كان ما يحدث فى الحلبة حقيقية؛ بمعنى أننا نعلم جميعا إنها أمور مفبركة. وواصلت الضغط، لتقول لى إنها متأكدة أن بعض وسائل الإعلام لا تقدم القصة كلها. وأرادت أن تعرف السبب. فهى تعرف أن الرئيس بشار الأسد سيئ، ولكن من هم المعارضون بالضبط؟ (كان هذا فى ديسمبر 2012، عندما كان المعتدلون ما زالوا مؤثرين فى المقاومة السورية).

فقلت لها: «لقد كتبت موضوعا حول هذه المسألة بالذات الأسبوع الماضى قبل عودتى لأمريكا». وفى نفس اليوم كانت نيويورك تايمز قد نشرت عن ذلك أيضا، فأشرت إلى نسخة من الصحيفة كانت على الطاولة وقلت: «هناك أيضا مقالة مطولة تجيب عن هذا السؤال فى صحيفة اليوم». وكان جيمس فولى من بين من كتبوا أيضا فى هذا الموضوع. فمن بين مقالاته الأخيرة فى صحيفة جلوبال بوست، فى أكتوبر 2012، مقالا ناقش بالتفصيل الفجوة المتنامية بين مقاتلى المعارضة والمدنيين فى مدينة حلب. ولم يمضِ وقت طويل بعد أن أرسل تقريره، حتى تم اختطافه، ليبدأ أكثر من 600 يوم فى الأسر انتهت مع قطع داعش رأسه، ونشر الفيديو فى 19 أغسطس.

وكنت فى كثير من الأحيان، أفكر فى المخاطر التى يواجهها الصحفيون، وأنا منهم، أثناء تغطية الحروب. وفى أعقاب وفاة جيم، صارت هذه التساؤلات تعن لى بصورة أكبر من أى وقت مضى.

•••

وأضاف بيتر قائلا، بعد أن أمضيت سبع سنوات فى الشرق الأوسط وأفغانستان، عدت إلى الولايات المتحدة فى أكتوبر الماضى، وهذه المرة بقيت. فى الأشهر التى تلت ذلك قابلت عددا لا يحصى من مستهلكى الأخبار من أمثال تلك السيدة صاحبة المنزل الفاخر فى ولاية فلوريدا تحيط بهم المعلومات التى لا يأبهون بها.

لم يسبق من قبل أن كره الأمريكيون الصحفيين بقدر ما يحدث الآن. وفى عام 2011 أظهر مسح أجراه مركز بيو للأبحاث أن ثلثى عينة البحث يرون أن الموضوعات الإخبارية غالبا ما تكون غير دقيقة. وقال نحو الثلث إن وسائل الإعلام «ليست مهنية»، ووصف اثنان وأربعون فى المائة وسائل الإعلام بأنها غير أخلاقية، بينما اعتبر 38 فى المائة فقط مهنة الإعلام أخلاقية.

ولأننى أعمل فى الخارج، لم أكن أفكر فى كيفية تعامل الناس مع الأخبار. والمؤكد أننى لم أتصور أبدا الناس يقبلون على التقارير الخارجية. وافترضت أن معظم الناس غير مبالين، ولكننى كنت استريح لفكرة أن مهنتى تقدم سجلا علنيا متاحا بسهولة عندما يقرر شخص تخصيص وقت لقضية ما. وقد عملت مراسلا لأننى أحب زحام الحياة اليومية. وكنت أشعر أن الأمر يستحق عندما تحدث أشياء سيئة، مثل أن أحاصر فى غارة جوية، أو وجود قنبلة على جانب الطريق تنفجر تحت شاحنة أمامى مباشرة.

•••

واستطرد بيتر قائلا، فى آخر نوفمبر 2012، كنت أرسل تقارير عن الأحداث فى حلب، أكثر مدن سوريا سكانا. وكان الصراع لا يزال فى مراحله المبكرة. ولم تكن داعش قد تشكلت رسميا، وكان الجزء الأكبر من مقاتلى المعارضة المعتدلة يتعاونون بسهولة مع الصحفيين، ويساعدونهم فى الوصول إلى الخطوط الأمامية. عندما انتشرت الأخبار أن المعارضة استولت على مستشفى ذى أهمية استراتيجية على أطراف المدينة، وانضممت إلى ثلاثة صحفيين آخرين ومترجم فى الجزء الخلفى من شاحنة مسطحة لأحد المتمردين كى أرى بنفسى.

ولم يكن المشهد فى المستشفى استثناء بارزا فى فى سياق الحرب الأهلية السورية. كانت المعركة قد انتهت، وكان كل ما تبقى ثقوب الرصاص والزجاج المكسور، والإمدادات الطبية التى استولى عليها المتمردون، الذين وقفوا يستعرضون بسعادة مسرحية ما حققوه من تقدم. ودعانا مقاتلو المعارضة للانضمام إليهم وهم يواصلون الضغط من أجل تحقيق المكاسب ويقاتلون عبر قرية قريبة سكانها من الموالين للحكومة، وقد رفضنا الدعوة لمشاهدة ما سيكون بالتأكيد (وهو ما تأكد فى وقت لاحق) معركة دموية وحشية.

وأكمل بيتر قائلا، أثناء عودتنا إلى المدينة، محشورين هذه المرة فى سيارة صغيرة، قطعت سيارة أخرى طريقنا. وانتشر خارجها رجال ملثمون، يشيرون ببنادق كلاشنيكوف. ففقدت شعورى للحظة، كما لو كان المشهد مقتطعا من أى فيلم من أفلام الحركة التى شاهدتها من قبل. ولكن بعد زوال الصدمة الفورية تذكرت ما حدث قبل شهرين، عندما رصدت مجموعة من الموالين للحكومة الصحفية اليابانية ميكا ياماموتو، فى حلب، وقتلوها. وانتظرت الرصاصات التى ستنهى حياتى.

وبدلا من ذلك، سحب أحد المسلحين سائقنا إلى سيارتهم كما قفز مسلحون آخرون وراء عجلة القيادة فى سيارتنا وأدارها. فكرت فى القفز خارج الباب، ظنا أنه من الأفضل المخاطرة بالتدحرج من سيارة مسرعة بدلا من الانتظار لمعرفة المخبأ لنا فى نهاية الرحلة. ولكن مع انطلاق سيارتنا بسرعة عالية ومن خلفنا سيارة محملة بالمسلحين تتبعنا، كان الهرب مستحيلا. فملت إلى الخلف فى مقعدى، يدمرنى الإحساس بأننى كنت سأهدر حياتى. لم يكن هذا بلدى، ولم تكن معركتى، وكنت الآن سأموت بطريقة مروعة. كان السيناريو الأفضل أن يتم احتجازى إلى أجل غير مسمى.

ومن حسن حظنا أنا وزملائى، اختلف مصيرنا جذريا عما كنت أخشاه. لأسباب ما زلت لا أفهمها، تم نقلنا إلى قاعدة خاطفينا، وقدم لنا الغداء، وقيل لنا ألا داعى للقلق: كان هناك سوء تفاهم. وبعد عدة ساعات من التوتر، نقلونا إلى مقهى على جانب الطريق، واشتروا لنا المشروبات، وأخيرا أنزلونا فى مكان آمن نسبيا وسط مدينة حلب.

وبعد ذلك بشهر تقريبا كنت جالسا على كرسى فخم فى ذلك المنزل الفخم فى ولاية فلوريدا، خضعا لتحقيق حول المعايير الصحفية.

وأضاف قائلا، لقد دمرت تغطية المعارك فى بلد ممزقة المهمة المدنية التى كنت أراها من قبل فى الصحافة. فلماذا المخاطرة بكل شىء من أجل توصيل الحقائق للناس، الذين يبدو على نحو متزايد أنهم يبحثون فقط عن المعلومات التى يريدونها ويصمون الموضوعات والحقائق التى لا تتفق مع آرائهم بأنها متحيزة أو غير دقيقة؟

فماذا تكون مهن المراسل، من دون هدف أسمى؟ ربما تعتبر بين ما يسمى «وظائف مرموقة» يسعى إليها الخريجون الجدد، ولكن أحد مواقع الوظائف سجل المهنة باعتبارها ثانى أسوأ وظيفة فى أمريكا، على أساس عوامل مثل الإجهاد، والأجر، وعدم ضمان الوظيفة؛ فهو يكدح كبواب، أو غاسل صحون، أو جامع القمامة وكل من هذه الوظائف سجلت مركزا أفضل. حتى إذا كنت تحب العمل، فإنه من الصعب ألا تضجر من وظيفة قد تتطلب فى بعض الأحيان المخاطرة بحياتك وأطرافك من أجل القراء الذين ربما يتشككون فيما إذا كنت تعانى جميع السلبيات والمخاطر لمجرد دعم أجندة خفية ما.

•••

واختتم الكاتب مقاله مشيرا إلى جيم فولى الذى التقى به مرة أو مرتين أثناء عمله فى الشرق الأوسط، ووصفه بما يعرف عنه: شخص ودود، سمح، يمكنه أن يجعل الناس يضحكون حتى فى أكثر الحالات بؤسا. وأكمل قائلا: الآن بعد أن رحل، لا أصدق أن مثل هذا الشخص الاستثنائى توفى، وهو يسعى لإعلام الرأى العام الأمريكى التواق لمعرفة الحقيقة. ومن الأصعب قبول ما حدث فعلا، وهو أنه مات بينما الناس مشغولون بتشكيل آراء حول مهنته والموضوعات التى كان يغطيها، من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءة الموضوعات التى يطرحها أمامهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved