صناعة الألومنيوم.. وتحدى الكهرباء

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الثلاثاء 6 أغسطس 2019 - 12:00 ص بتوقيت القاهرة

فى خلايا إنتاج الألومنيوم تستخدم الكهرباء كمدخل أساسى فى عملية التصنيع، فهى مكون من مكونات منتج الألومنيوم، وتمثل فى تكاليف الإنتاج ما يتراوح بين 30% إلى 40% من تكلفة إنتاج الطن الواحد، بما يعنى أن تصدير قوالب الألومنيوم ومدرفلاته المختلفة ينطوى على مكون من الكهرباء يسمح بالإعلان عن تصدير الكهرباء، وقد احتوت على نسبة قيمة مضافة معتبرة.

تلك الأهمية البالغة للكهرباء فى عملية التصنيع، ونظرا لكثافة استخدام الجهد الفائق فى هذه الصناعة الاستراتيجية التى باتت تحتل مكانة مميزة بين مختلف الصناعات المعدنية، هى ما جعلت من توافر مصدر رخيص لإنتاج الكهرباء ــ حبذا لو كانت مولدة من المساقط المائية ــ شرطا أساسيا لتوطين الصناعة، شأنها فى ذلك شأن صناعة السبائك الحديدية، وكلاهما تم توطينه فى صعيد مصر مواكبا لبناء السد العالى وتوليده للطاقة الكهرومائية بفائض لم يمكن استغلاله حينها ولمدة عقود تالية لو لم تقم الصناعات كثيفة استهلاك الكهرباء على أرض مصر، وفى مقدمتها شركة مصر للألومنيوم فى نجع حمادى والتى تستخدم وحدها اليوم ما يزيد عن خمسة مليارات كيلو وات/ساعة من الكهرباء سنويا!.

وتتركز منتجات الشركة فى إنتاجها من المعدن المنصهر بطاقة إنتاجية تبلغ 320 ألف طن سـنويا، تصدر نصفها تقريبا، وبنسب متفاوتة تزيد فيها نسبة صادرات بعض الأصناف تامة الصنع على 95% من جملة الإنتاج. تستهلك التكنولوجيا الحالية بالشركة 14 ألف كيلو وات/ساعة/طن وهى تكنولوجيا تم التحول إليها عبر عملية تحديث شاملة للوصول إلى خلايا الأنود سابقة التحميص prebaked عوضا عن خلايا الـSoderberg واليوم تتطلع الشركة إلى التحول بالإنتاج إلى الخلايا جنبا إلى جنب side by side بما يوفر نحو 1500 كيلو وات/ساعة/طن.

وفقا لتقارير «وود ماكنزى» Wood Mackenzie تحتل شركة مصر للألومنيوم المركز الثانى بين المصاهر المنتجة للألومنيوم فى العالم بالنسبة لسعر الكهرباء تالية فى ذلك على بعض المصاهر فى الصين والتى تحصل على الكهرباء بسعر يقترب من 7 سنتات أمريكية/كيلو وات. «وقد بذلت الدول المختلفة صاحبة شركات (مصاهر) الألومنيوم كثيرا من الجهود لتتمكن من عبور هذه المرحلة فعلى سبيل المثال ذكرت مجلة RUC المتخصصة فى تحليل أسواق وأسعار الطاقة لمصاهر الألومنيوم أن الحكومة الصينية قامت بتخفيض تعريفة الطاقة للشركات فى نهاية 2014 بمقدار (15.1%) كما أن متوسط تعريفة الطاقة على المستوى العالمى أنخفض بمقدار (10%) وكثير من الحكومات تربط تعريفة الطاقة بسعر معدن الألومنيوم ببورصة المعادن. وتضع أغلب الدول سياسة توريد الطاقة الكهربائية طبقا لمستويات أسعار البترول التى انخفضت إلى مستوى دون 40 دولار للبرميل مما حفز أغلب الحكومات نحو تخفيض أسعار الطاقة» (من ورقة سياسات بعنوان تنافسية صناعة الألومنيوم فى مصر لمكتب استطلاع مصر).

***

ولأن العديد من العناصر المؤثرة فى اقتصاديات صناعة الألومنيوم تعتمد على متغيرات خارجية exogenous variables أبرزها أسعار بورصات الخامات والمعادن، سواء للمدخلات مثل خام البوكسيت والألومينا والفحومات أو للمنتج النهائى من معدن الألومنيوم، فضلا عن أسعار صرف العملات الصعبة والطاقة، فإن التعامل مع تلك العناصر يجب أن يقوم على أسس التنبؤ والتحوط العلمى من المخاطر. لكن يظل سعر الكهرباء المنخفض واستقرار ذلك السعر لأطول فترة زمنية ممكنة مطلبا حيويا للمستثمرين الذين يخوضون تجربة إنتاج الألومنيوم والسبائك الحديدية والصلب فى أية دولة. بعض المستثمرين يعمدون إلى توقيع عقود شراء للكهرباء طويلة الأجل وبأسعار ثابتة على سبيل التحوط من التقلبات التى قد يشهدها سوق إنتاج الكهرباء فى الدولة. محاولة التحوط ضد تقلبات أسعار الطاقة هى أضعف الإيمان، نظرا لصعوبة التحوط ضد تقلبات بورصات المعادن، وارتفاع تكلفة اقتناء عقود المشتقات سواء التكلفة المادية المباشرة أو تلك المرتبطة بصعوبة تداولها وفهم تعقيداتها.

شركة مصر للألومنيوم هى المنتج الوحيد فى مصر الذى يقوم بعمليات إنتاج متكاملة عالية الجودة وبمواصفات عالمية، حيث يتم إنتاج الألمونيوم ومدرفلاته من الخام وليس عن طريق صهر الخردة كما هى الحال فى بعض الشركات الأخرى. ولكى تستطيع الشركة استقطاب المستثمر المحلى والأجنبى من أجل زيادة القيمة المضافة لمنتجاتها من خلال إنشاء خطوط إنتاج جديدة للمعلبات والرقائق والجنوط مثلا.. إلى غير ذلك من منتجات نهائية downstream فإن معادلة الطاقة للشركة يجب أن تستقر وتتضح رؤيتها المستقبلية للجميع.
وإذ تلقى الشركة اليوم دعم كل من وزارة قطاع الأعمال العام والشركة القابضة للصناعات المعدنية لتنويع مصادر إنتاج الطاقة من خلال توفير جانب من احتياجاتها المستقبلية من الطاقة الشمسية، فإن هذا النوع من المنتجات كثيفة استهلاك الطاقة لا يمكن أن يستمر دون الاعتماد على مصدر مستقر لإنتاج الكهرباء من مصادره التقليدية. هذا بالضبط ما تدركه كبرى الشركات الصناعية العاملة فى مجال الصناعات المعدنية والتى عادة ما تشترط سعرا للكيلو وات لا يزيد على 3 سنتات أمريكية لكى تتحقق جدوى مشروعات صناعة الألومنيوم والنحاس والصلب والسبائك الحديدية.. انهيار بعض السدود فى البرازيل ــ مثلا ــ أثر سلبيا وبشكل كبير على اقتصاديات صناعة الصلب عالميا بعد أن ارتفعت تكلفة الإنتاج وانخفض المعروض نتيجة لتراجع إنتاج الكهرباء من المساقط المائية.

***

الشركة التى تستهلك اليوم نحو ثلث إنتاج السد العالى من الكهرباء لا تحصل على أية ميزة تفضيلية فى سعر الطاقة. المعاملة التفضيلية المبتغاة والمشار إليها هى ما تحصل عليه مختلف المصاهر فى العالم كله، وليس أى نوع من الحماية أو الدعم سيئ السمعة الذى تناولناه فى مقال سابق. ليس ثمة تمييز فى مصر لسعر الكيلو وات المنتج بتكلفة منخفضة نسبيا من مصادر متجددة (كهرومائية ــ شمسية ــ رياح..) وتلك التى تنتجها محطات توليد الكهرباء باستخدام السولار والغاز الطبيعى. هذا التوحيد السعرى لما تنتجه الشبكة القومية من كهرباء لا تستفيد منه الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة خاصة الصناعات التى تعتبر الكهرباء مدخلا من مدخلاتها التى تضاف إليها قيمة تصنيعية للتصدير والإحلال محل الواردات.
مصر للألومنيوم لا تتطلع حاليا إلى سياسة تجارية حمائية كالتى فرضها الرئيس الأمريكى على واردات الصين من الصلب والألومونيوم، ولكنها تتطلع إلى المساواة مع المصاهر التى تنخفض تكاليف إنتاجها بانخفاض سعر الكهرباء المستخدمة فى الخلايا كما تنخفض بها أسعار الفائدة بما يشجع الاستثمار ويعزز بدائل التمويل للمشروعات الصناعية منخفضة العائد. تلك المساواة تعطى الشركة فرصة للاستمرار فى المنافسة العالمية الضارية المؤدية إلى تراجع أسعار المعدن إلى قيعان تاريخية، وتعزز من قدرتها على تنويع منتجاتها ومصادر إنتاجها للطاقة مع تعبئة الجهود لترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة استخدام مختلف عناصر الإنتاج. فى الدول الصناعية يتحمل المستهلك المنزلى جانبا من تكلفة توليد الكهرباء إلى المصانع، فى مصر يزيد الاستهلاك المنزلى عن الصناعى ويتم تحميل الأخير جانبا من تكلفة توليد الكهرباء للمنازل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved