لَسْـــــعَة

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 6 مايو 2022 - 7:50 م بتوقيت القاهرة

صرخةٌ وقفزةٌ، ثم مُكعباتُ ثلجٍ اختطفتها اليد السليمةُ من الثلاجة وفركتها في مَوضِع الَّلسعَة، إلى أن هدأ الألمُ قليلًا وتحسَّنت الحال. اقترحت سيدةٌ مُتقدِّمة في العمر استخدامَ مَعجون الأسنان، فقوبلَ الاقتراح بفتورٍ وبشيءٍ من السخرية المتوارية، ثم بطرح بدائل من قبيل المُسكِّنات المَوضِعية ومَراهم الحروق.
• • •
كنت الوحيدةَ تقريبًا التي أيَّدت المَعجون. جرَّبت الَّلسعَةَ ذات مرة أثناء عمليةِ طَهوٍ جماعية اتخذت طابعًا فكاهيًا، فما إن أمسكت عفوًا بإناءٍ مُتوهِّج السخونةِ وأطلقت آهةً عالية، حتى هبَّ صديقٌ وعاد مسرعًا بالأنبوب. لم أُخفِ دهشتي من اعتقاده في قدرات المَعجون، رأيتها مَحضَ وهمٍ ولم أتوان عن إعلانِ الشكِّ والارتياب، لكني أدركت بعد ساعاتٍ مِن الإصابةِ، وبعد أن غسلت يدي من الطبقةِ البيضاءِ التي تجمَّدت فوقها ورحت أحدِّق فيها؛ أن للوصفةِ الشعبيةِ أثرًا ساحرًا لم أعرف له تفسيرًا. لم أجد بُقعةً حمراءَ أو بُنية أو أيَّ علامةٍ من علامات الحَرق المَعروفة، ومنذ ذاك اليوم أصبحت من مُروِّجي الوصفةَ والمُحمِّسين لها، وصار للمَعجون عندي استعمالٌ جديد.
• • •
الَّلسعةُ في معاجم اللغة العربية اسم مَرة من الفعل لَسَعَ، أي وَخز أو أحرق أو تسبب في إحداث الوجع والقشعريرة. لسعاتٌ كثيرةٌ تُصيبنا عبرَ مراحل حيواتنا، ترتبط بتجاربنا ومحاولاتنا، بعضُها يتكرَّر مِرارًا، والبعضُ الآخر نكتفي منه بمرةٍ واحدة تترك مكانها ندبةً لا تنمحي.
• • •
إذا شطَّ الفعلُ وانحرف السلوكُ عن المعتاد وبدا غريبًا شاذًا، قيل عن صاحبه: دماغه لاسع، والمعنى أنه لا يتبع النمطَ التقليديّ في مسارِه ولا يلتزم القضبانَ المُعدةَ سَلفًا؛ إنما يصنع خاصته ويمضي ضاربًا بانتقادات المُجتمع عرضَ الحائط. الدماغُ اللاسع يملِك صاحبُه في كثيرِ الأحيانِ قدراتٍ ابتكاريةٍ فائقة، لكنها تفقد طزاجَتَها وتتوارى مع رغبةِ الكُتلةِ العظمى من المُجتمع في احتواءِ وتشذيب كلِّ غريب. تبقى ومضاتٌ تنبلج من آن إلى آخر، فتعكس الاختلاف وتستفزُّ المحيطين.
•••
ثمَّة كائنات إن لَسَعَت حقَّقت أذى أكيدًا. لسعةُ النحلةِ تحقِن في الجِلد ما يُهيجه، ولسعاتُ الدبابير مثلها أو أقوى، أما العقربُ فقد تغدو لدغتُها مُميتةً ويكون الحصولُ على الترياق أمرًا محتومًا. رغم الخطر الماثل، تحمل هذه المخلوقاتُ بين إفرازاتِها موادًا كيميائيةً مُركَّزة، تدخل في تركيبِ مُستحضراتٍ علاجيةٍ متعدِّدة، بل وهناك مَن يستخدم اللسعاتِ المباشرةِ للتداوي.
• • •
إذا قيل قام فلانٌ كالمَلسوع فالقصد أنه تحرك فجأة وفي سرعة؛ كأنه تعرض لألمٍ مُباغت دفعه دفعًا إلى مُغادرة مكانِه. الَّلسعةُ هنا على الأغلبِ مَعنوية؛ كلامٌ مُزعج، خبرٌ مُفجِع، أو أمر مَنسيّ قفزَ إلى الوعي فزلزَلَه وأجبر الساهيَ على النهوض.
• • •
قد تقسو أشعةُ الشَّمسِ وتغدو حرارتُها لاسِعةً، تلتهب لها الأعينُ والجلود، مع هذا لا يطيق بعضُ الناس غيابَها؛ إن احتجبت استشعروا الكآبةَ وضيقَ النفس، ولفَّهم القنوطُ وكأن العالمَ قد فنى، فإن ظهرت استردوا طبيعتَهم وتألقت أمزجتُهم، وأبدعوا مُتجاوزين لظاها وسعيرها.
• • •
إن شارف الطعامُ على الاحتراق واكتسب لما حلَّ به طعمًا مُختلفًا، قيل إن النارَ لَسعَته. بعضُ الناسِ يُفضِّل أصنافًا من الطعامِ وقد أصابتها الَّلسعةُ، والبعضُ الآخر ينفر منها ويرى في مذاقِها فسادًا لا تصلح معه للتناول. أعرف مَن يُفضِّلون ما التصق بقعرِ الحلَّة مِن أرز على ما اعتلى سطحَها، ومَن يطيبُ لهم ما أنضجت النار فجفَّفت ويبَّست، ومن يتعمَّدون تسخينَ حواف الرغيفِ إلى أن تحترق وتصبح سوداءَ؛ لا يقنعون بمذاقِ الخُبزِ ورائحتِه ومَلمَسِه إلا على هذه الهيئة.
•••
بعضُ المرَّات تُسفِر عمليةُ كيّ الملابس عن تغيُّر اللون في منطقة أو أخرى؛ تلسعها المكواة فتهديها بقعةً صفراءَ؛ تدوم وتبقى دليلًا دامغًا على السهو والشرود، فإن طالت المُدةُ تحوَّل الاصفرار إلى لونٍ بُنيٍّ داكن، أو ثُقبٍ في النسيج؛ ليصبح الأمر مقضيًا والرداءُ في حكْمِ الضحية. على كل حال لم تعد عمليةُ فَرد المَلبوسات المُختلفةِ مِن الضَّرورات أو حتى من الأولويات، فقد تبدَّلت الأذواقُ وتغيَّرت ضوابطُ الأناقة، وصارت الكرمشاتُ والانبعاجاتُ الظاهرةُ صيحةً رائجةً؛ بل أنها تلقى مُؤخرًا عظيمَ الترحيب، إذ تضاعفت الأسعار على قائمةِ المكوجي، وصارت من ضروبِ الخيال.
• • •
لسعةُ الحب هي الأخرى قد تُهلِك، تبلى بها قلوبٌ وتشقى أفئدة. يقول المأثور الشعبيّ إن من أصابته لَسعَةُ الحساءِ نفخَ في الزبادي؛ والمعنى مجازيّ يشير إلى اتخاذ الحذرِ والحَيطةِ بكثير المُبالغة؛ فتجربةٌ سابقةٌ مؤذية تدفع المرءَ إلى وقايةِ نفسِه وإن لم يكُن هناك داع.
• • •
في وَصفِ الِّلسان ما يجعله مثل السَّوطِ اللاسِع، يقع فعلُه مِن السامِع مَوقِعَ جُرحٍ أنكى مِن ضَربِ العصي وطعنِ السكاكين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved