التجديد الذى يقوده فرانسيس فى الفاتيكان

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: السبت 5 ديسمبر 2015 - 9:30 ص بتوقيت القاهرة

كلما دار حديث الإصلاح الدينى نجد اتفاقا عاما بين العلماء الدينيين، والمثقفين، وكل من يتعاطى مع الفكرة على أن هناك ثوابت ومتغيرات وأن الثوابت لا يجب المساس بها وعندما يقول قائل هذا فى ندوة أو برنامج تليفزيونى نجد أن الجميع يهزون رءوسهم بالموافقة ثم بعد ذلك لا نعرف ما هى الثوابت والمتغيرات بالتحديد.

فى حوار حول الثوابت الدينية كان تفسير الكاردينال خورخى بيرجوجليو، والذى صار بعد ذلك يعرف باسم البابا فرنسيس الثانى بابا الفاتيكان أكبر مؤسسة دينية فى العالم للثوابت؛ إن الثوابت ما هى إلا أدوات لنثَبت بها شيئا ما وفى حالة عجزها عن تثبيت ذلك الشىء لأسباب كثيرة يجب استبدال تلك الثوابت فى سبيل الحفاظ على الشىء المراد تثبيته وذلك لأن جوهر الشىء المراد تثبيته أهم كثيرا من أعمدة وعوامل تثبيته وأن القيمة التى نريد أن نقدمها فى كل عصر لا يجب أن تبدو غريبة وتقدم، وكأنها جديدة متجددة فى ذاتها ورغم صعوبة استساغة الفكرة خصوصا عندما يتم الحديث عن مؤسسة دينية مسئولة عن تقديم دين ما للعالم فإن هذا النوع من المبادرات يحتاج إلى رواد يتسمون بجسارة الجراحين، ومستعدون للتنازل عن مكتسبات ورثوها ويمتلكون القدرة على مواجهة خصوم لن يقبلوا بهذا التنازل.

والملاحظ أن العالم يشهد اليوم تغيرات مادية متلاحقة تصدم فى طريقها الكثير من المؤسسات الدينية فى بلادنا، والتى اعتقدنا طويلاً أنها ثابتة وراسخة فإذا بها هشة ومترهلة بسبب تراكمات تاريخية ظلت تنحرها وتقوض أساسها، فهى تقف اليوم عاجزة عن الحسم فى قضايا واضحة وضوح الشمس مثل؛ التطرف الدينى والتعصب داخل الدين الواحد وبين الأديان، وفوضى الفتاوى، والموقف من الحركة العلمانية، ومشاكل الطلاق المزمنة، والتمسك بأسلوب إدارى عفى عليه الزمن، وموجة الإلحاد التى اجتاحت شبابنا المسلم والمسيحى، والعنف المؤسسى ضد كل فكر إصلاحى.

***

ودعنى ــ عزيزى القارئ ــ أقدم لك تجربة البابا فرنسيس الثانى لعلنا نجد فيها ما يفيد. فى أول لقاء مع مساعديه قدم تعريفا حديثا يقول المؤسسة الدينية مستشفى ميدانى فى أرض المعركة يستقبل كل مصاب بصرف النظر عن الجانب الذى يقاتل لأجله أى أن المؤسسة الدينية لا يجب أن تكون طرفا فى معركة بادعاء دفاعها عن إيمانها لأنه بهذا تصطدم بجوهر الإيمان الذى تنادى به؛ فكل مؤسسة دينية تدعى أن جوهر إيمانها الإنسان مهما كان إنتماءه وأن جوهر فكرها الدينى هو الحب والعدالة والجمال ثم يكتشف الناس من قرارات وتصرفات وخطابات رجال المؤسسة أنها تقصد الإنسان، الذى ينتمى إليها، أما الإنسان الذى لا ينتمى لها فهو ليس إنسانا على الإطلاق ولا يجب التعامل معه بالحب والعدل والجمال وهنا التناقض الحقيقى، بل هناك مؤسسات تحض على قمع وقتل اتباع مذاهب داخل الدين الواحد.

بعد مرور أكثر من سنتين على تنصيب البابا فرنسيس يراقب العالم نهجه بمزيج من الابتهاج والقلق ذلك لأنه يرعى الفقراء أكثر من حرصه على تطبيق التعاليم الكاثوليكية. تاريخيا يعتبر الكاثوليك أن الحركة الإنجيلية حطمت كل التقليد الكنسى لذلك هى حركة تفتقر إلى الجدية العقيدية (العلاقة بين الكنيستين تشبه إلى حد كبير العلاقة بين السنة والشيعة). فى اجتماع عام قبل اختياره بابا خاطب أتباعه قائلاً إن الرب لا ينظر لمثل هذا التمييز، ثم أضاف كم هو حسن وجميل أن يتحد الأخوة معا وأن يصلوا جماعة، وعلينا أن ندرك أننا متنوعون مختلفون، لكننا راغبون بل بدأنا بالفعل أن نكون على توافق ضمن هذا التنوع والاختلاف، ثم مد يده نحو الحضور وقد دب الحماس فى محياه يدعو الله أيها الرب إننا منقسمون فوحد قلوبنا وجثا على ركبتيه داعيا الحشود من مسيحيين، ومسلمين، ويهودا للصلاة لأجله والدعاء له، وقد تعجبت الجماهير واندهشت للحظات قبل أن يحذو حذوه يتقدمهم قس إنجيلى. تلقفت الصحف والمجلات ذلك المشهد وراحت تنشر فى صفحتها الأولى صورته وهو يجثو على ركبتيه فى مشهد دعاء وصلاة امتزج فيه الاتضاع بالرهبة وإحدى المجلات وضعت عنوانا لما فعله «خائن».

***

عندما اختير كبابا أكمل ما بدأه وفى أول اجتماع جماهيرى طلب من الجموع أن تصلى لأجله وحينما هم بالإنصراف تجاهل سيارة الليموزين، التى كانت فى انتظاره واتجه ليستقل أتوبيس الكرادلة، وفى صباح اليوم التالى سدد قيمة فاتورة الفندق حيث كان يقيم من حسابه الخاص كما أنه تخلى عن القصر الرسولى الفخم ليعيش فى مسكن من غرفتين، وهو ما فعله الخمينى اذ رفض حياة القصور واستمر فى سكنه المتواضع فى طهران، وقد زرت المكان وتعجبت من فرط بساطته وتواضعه، وكان هذا أكبر عامل فى شعبيته الطاغية.

فى أول عيد فصح بدلا من الاحتفال بقداس (ذكرى العشاء الأخير للسيد المسيح) وغسل أقدام الكرادلة قام البابا بالاحتفال فى أحد سجون الأحداث حيث غسل أقدام مساجين، من بينهم نساء ومسلمون، وهو أمر لم يقدم عليه أحد من الباباوات قبله ولم يكن هذا التغيير مجرد توجهات لكنها تقول الكثير فى تفسيره للدين ولرئاسته مؤسسة دينية. يقول عنه المتحدث الرسمى للفاتيكان لا أحد يعرف تحركاته أو أجندته اليومية بعكس الباباوات السابقين، وهو يتحدث مع من يريد مقابلتهم شخصيا دون سكرتارية وينظم أجندته بنفسه يتجاوز البروتوكولات للوصول إلى حلول للمشاكل، وأضاف أن كثيرين احتاجوا إلى وقت ليستسيغوا مظهره غير المعتاد بدءا بساعته البلاستيكية وحذائه الطبى وصولاً إلى مشهد تناوله وجبة الإفطار فى مطعم الفاتيكان مع العوام، انه الضعيف من نحو الفقراء القوى فى مواجهة الأقوياء. وبالطبع نحن نعلم أن المؤسسات الدينية غير ميالة للتغيير بل وتنظر بعين الريبة إلى كل من يحاول الإقدام على ذلك.

***

يقول ماسيموفرانكو الذى ألف كتابا عنه إن البابا فرنسيس يسعى ليكون «بابا الجميع»، ويبدو أن هذا الوصف يقض مضاجع النافذين فى الفاتيكان ويفزعون لمجرد طرح فكرة كهذه. فى رحلته للشرق الأوسط وعقب صلاة جماعية عند حائط البراق فى القدس قام بمعانقة كل من عمر عبود الإمام المسلم والحاخام سكوركا. تصفه وسائل الإعلام بأنه إصلاحى «راديكالى» ثورى وهو ليس كذلك لنقل أنه أشعل جذوة روحانية ليس فى نفوس الكاثوليك فحسب بل فى أنفس بقية المسيحيين والديانات الأخرى بل حتى غير المؤمنين بوجود الخالق، لقد هبط فرنسيس بالكنيسة من برجها العاجى ووسع دائرتها الروحية. فى خلال أول عامين حصر ما تعانيه الكنيسة والإدارة الباباوية من أوجه القصور والآفات مثل «التباهى» و«النميمة» و«السعى للربح الدنيوى» ثم كلف تسعة كرادلة بإجراء إصلاحات فى المؤسسة سبعة منهم لا ينتمون للإدارة الباباوية وقام بتشكيل «اللجنة الأسقفية لحماية القاصرين ووضع على رأسها رئيس أساقفة بوسطن بأمريكا ولإضفاء الشفافية على الشئون المالية للفاتيكان عين على رأس أمانة الاقتصاد كاردينال لاعب رجبى سابق، وهو منصب يجعله فى نفس مرتبة وزير خارجية الفاتيكان الذى كان متحكما فى الأموال. يقول سيكانونى وهو صديق للبابا: إن البابا يرتب للتغيرات القادمة فى مسألتين فى منتهى الأهمية: عزوبة القساوسة ورفع الحظر المفروض على تناول العشاء الربانى من قبل الكاثوليك المطلقين والمطلقات، وهو مستعد للإصغاء لجميع الآراء وسوف يبقى مستعدا بالتأكيد للتغيير. يقول الأب توماس وهو من كبار المحللين إن هذا الرجل يعيد صياغة الهوية الكنسية لتكون أكثر إنسانية. يقول دى لاسيرنا صديق البابا رسالة البابا هى إحداث ثورة فى الفاتيكان تتجاوز جدرانها من دون أن يكون فى ذلك انقلابا على التعاليم والمبادئ الراسخة إنه لن يغير المذهب بل سيعمل على إعادة الكنيسة إلى مذهبها الحق الذى يعيد الإنسان إلى المركز فقد بقيت الكنيسة عبر سنين طوال تركز على الخطايا والآثام (كما يحدث فى مؤسساتنا الدينية فى مصر حتى اليوم) يقول فرنسيس الثانى «إن الرب لا يخشى الجديد والتجديد».. ترى ما رأى مؤسساتنا الدينية؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved