بيروت الجريحة فى مرايا الضمير

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الأربعاء 5 أغسطس 2020 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

لم يكن بوسع أحد باتساع العالم العربى أن يسيطر على مشاعره وهو يرى أجمل المدن العربية تروع بالانفجار، الذى هز جنباتها وأسقط ضحايا وبنايات وثقة مواطنيها فى المستقبل، كأنه بلد منكوب بأزماته المتراكمة والمستجدة.
بوسائل العصر نقلت صور بيروت المروعة إلى كل بيت، توحدت مشاعر وتبدت أسئلة عما يتوجب فعله عاجلا لإنقاذ بلد عربى صغير فى حجمه وجوهرى فى دوره.
لا يمكن كتابة التاريخ العربى المعاصر دون إطلال طويل وعميق على الدور الذى لعبته تلك المدينة فى السياسة والثقافة والآداب وحركة الفكر والإبداع.
قيمة بيروت للعالم العربى أنها مرآة تفاعلاته وصراعاته وأفكاره وأحلامه، بوتقة التفاعل والانصهار، وهو دور وظيفى أضفى عليها وزنا خاصا دفعت فى بعض الأحيان فواتيره الباهظة.
التضامن الواسع قضية مسلم بها، لكن المشاعر وحدها لا تكفى إذا لم تسندها إجراءات تمد يد العون إلى بيروت الجريحة حتى تأخذ نفسا من أمل وقدرا من ثقة أن عالمها العربى لن يدعها وحيدة تعانى آلامها المبرحة على نواصى الطرق المهدمة.
هذه هى المسألة.
«إن لم نزن مصر وزنا حقا سالت الدم على الضمير».
هكذا أنشد الشاعر اللبنانى الراحل «سعيد عقل» ذات يوم.
رغم ما هو منسوب إليه من دعوات انعزالية فقد لمس الحقائق، والحقائق وحدها تتحدث فى النهاية.
بذات القدر فإن العالم العربى كله، وليس مصر وحدها، مدعو أن يزن لبنان وزنا حقا حتى لا يسيل الدم على الضمير ويصبح انهياره أمرا واقعا فى قلب المشرق العربى المنكوب بأزماته وحروبه ومشروعات تقسيمه.
قد يزكى الانفجار المروع الذى ضرب بيروت، كما لو كان قنبلة نووية صغيرة، مستوى الصراعات الداخلية ويدخل البلد بالتشاحن الزائد إلى أوضاع يصعب توقع نتائجها الوخيمة على وجوده نفسه.
نحن أمام بلد تلاحقه أزماته دون أن تتبدى حلولا فى الأفق قادرة على صناعة التوافقات الوطنية الضرورية فى مواجهة أسئلة مصيره.
هذه مهمة اللبنانيين قبل غيرهم.
بصورة أو أخرى يكاد يقارب الدور اللبنانى فى العالم العربى الدور الإسبانى فى محيطه الأوروبى حيث ينظر إليه كـ«معمل أفكار» تختبر فيه الأيديولوجيات والأفكار الكبرى.
كلا البلدين تعرض لحرب أهلية ضارية مازالت ماثلة بدرجات مختلفة تحت الجلد السياسى.
قبيل الحرب العالمية الثانية بين عامى (1936) و(1939) نشبت الحرب الأهلية الإسبانية وأسفرت نتائجها عن هزيمة الجمهوريين الاشتراكيين لصالح حكم فاشستى بقيادة الجنرال «فرانشيسكو فرانكو» امتد حتى منتصف سبعينيات القرن الماضى.
فيما كانت إسبانيا تلملم جراح حربها الأهلية بدأت حربا أهلية أخرى فى قلب المشرق العربى فى ظروف مختلفة وأزمان جديدة دفع لبنان ثمنها باهظا لنحو ستة عشر عاما.
فى الحالتين «الإسبانية» و«اللبنانية» تبدت روح مقاومة تراهن على قوة الحياة رغم وطأة وآلام ما جرى.
إسبانيا الجريحة أنتجت أدبا وفنا خالدا عبر عنه شعراء عظام كـ«لوركا» وروائيون مجيدون كالأمريكى «إرنست همينجواى» والفرنسى «أندريه ماللرو» وزير ثقافة «شارل ديجول»، وفنانون تشكيليون من حجم «بيكاسو»، الذى أطل على العالم بلوحته الملهمة «جويرنيكا» التى عبرت عن فظائع ما جرى لتلك المدينة الإسبانية من تدمير بعد غارة جوية ألمانية.
بقدر آخر احتضنت بيروت قامات شعرية عربية من حجم «محمود درويش» و«نزار قبانى» و«أدونيس» ورسام الكاريكاتير الأبرز «ناجى العلى» فيما جسدت «فيروز» بصوتها الفريد قدرة المدينة على إلهام معانى الحياة والقدرة على البقاء واجتراح المعجزات.
فى الحالتين «الإسبانية» و«اللبنانية» تأسست أوضاع جديدة بعد الحرب الأهلية.
نجحت إسبانيا فى تجاوز مرحلة حكم «فرانكو» الفاشية بأقل اضطرابات ممكنة.
نجح ملكها الشاب «خوان كارلوس» الذى صعد للحكم بعد وفاة الديكتاتور العجوز فى إدارة التوازنات الحرجة والانتقال إلى الديمقراطية والملكية الدستورية حيث يملك ولا يحكم.
لم تكن رحلة التحول الديمقراطية سهلة ولا الطريق معبدا.
جرت محاولة انقلاب يوم (23) فبراير (1981) بقيادة المقدم «أنطونيو توخيرو»، احتجز نواب البرلمان، وكان دور الملك حاسما فى اجهاضه.
أهم ما ينسب للملك السابق أنه ألغى ميراث الحرب الأهلية بإسناد رئاسة الحكومة بعد أول انتخابات نيابية حرة إلى رئيس وزراء اشتراكى «فيليب جونزاليس».
البطل القومى الإسبانى «خوان كارلوس»، الذى اكتسب شعبية كبيرة فى فترات من حياته، اضطر أخيرا إلى مغادرة بلاده ملطخا بالعار.
لم يشفع له تاريخه بعدما حامت حوله شكوك قضائية عن تلقيه عمولة تقدر بمائة مليون دولار وضعت فى حساب سرى بسويسرا على خلفية دورا لعبه فى تسهيل منح شركات إسبانية عملية تشييد خط قطار فائق السرعة بين مكة والمدينة عام (2008).
بأعقاب تنازله عن العرش لأبنه الملك «فيليبى» عام (2014) بدأت التحقيقات والملاحقات القضائية.
لا حصانة لأحد إذا ما ثبت تورطه فى قضايا فساد، أيا ما كان سجله السابق فى خدمة بلاده.
هذا درس مجانى نحتاجه فى العالم العربى.
لا عادت الأموال المنهوبة من مصر على عهد الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» ولا أحد فى لبنان بوارد أن يعيد دولارا واحدا مما جرى تهريبه إلى بنوك سويسرا، وغير بنوك سويسرا، حتى لو مات البلد نفسه!
فى مرآة الضمير يبدو لبنان جريحا ومنهوبا وبعض من نهبوه يتصورون أن الحكم حق مكفول لهم.
على عكس ما جرى فى إسبانيا بعد انقضاء حربها الأهلية من تأسيس نظام جديد ينسخ الماضى ويفسح المجال للالتحاق بالعصر دخل لبنان باتفاق «الطائف» عام (1989) إلى مأزقه الذى يعانى ويلاته الآن.
كان اتفاق «الطائف» إعادة إنتاج للنظام الطائفى بتوازنات دولية وإقليمية جديدة تتقاسم السلطة فيه.
فى مرآة الضمير كانت الانتفاضة اللبنانية، التى بدأت (17) أكتوبر (2019)، احتجاجا شعبيا شبه جماعيا على نظام المحاصصة الطائفية.
أفضى التوظيف السياسى الزائد إلى إجهاض أهداف الانتفاضة وإدخال لبنان كله، بالفعل الطائفى والفعل الطائفى المضاد، إلى أتون أزمات متلاحقة انهارت معها أسعار صرف الليرة اللبنانية وزادت أعداد المتعطلين عن العمل وأصبحت الحياة نفسها لا تطاق.
تتبدى – هنا ــ مفارقة موجعة أخرى.
فى الحالة الإسبانية طرحت تساؤلات تحت ضربات جائحة «كورونا»، التى نالت من الاقتصاد بقسوة بالغة، عن جدوى الانتساب إلى الاتحاد الأوروبى إذا لم يهرع لإنقاذ الاقتصادات التى تعانى.
فى الحالة اللبنانية طرحت مثل هذه التساؤلات على العالم العربى دون أن يكون أحد بوارد أن يستمع إلى أى آنين، أو يستجيب لأى نداء إنقاذ.
هناك من هو مستعد فى العالمين العربى والغربى أن يمضى إلى أبعد حد فى تركيع لبنان لأسباب تتعلق بالصراعات الإقليمية والدولية الجارية وحسابات القوة فيها.
هذه حقيقة لا تخفى على أية نظرة فى مرآة الضمير.
الإبقاء على لبنان أولوية محزنة وضاغطة معا تحتاج من اللبنانيين إحداث جراحات فى بنية نظامهم المترهل، الذى استنزف زمانه وثقة شعبه فيه وأثبت إخفاقه فى كل الاختبارات التى يتعرض لها البلد.
هناك فارق بين المراجعات الجادة وتصفية الحسابات المعتادة.
هذه مهمة شاقة، لكنها حتمية، فى بيروت الجريحة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved