ليست التعريفة الجمركية وإنما الإصلاح النقدى الدولى هو الحل

ماجدة شاهين
ماجدة شاهين

آخر تحديث: الخميس 5 أبريل 2018 - 10:35 م بتوقيت القاهرة

لا شك أن الكثيرين ينظرون بريبة إلى تحركات الرئيس الأمريكى سواء على الساحة الدولية أو على الساحة المحلية وإلى التغييرات الجذرية التى يجريها بين كبار مسئوليه بالإدارة، وكأن هؤلاء قطع شطرنج يحركها وفقًا لهواه ودون سابق إنذار. ويخشى الكثيرون أن السنة الأولى لم تكن سوى مقدمة لمغامرات أكثر حرجا. ويقسم هؤلاء أن الرئيس الأمريكى فى السنة الأولى كان مكبلا إلى حد كبير، حيث كان يواجه أحيانا بعض الجدل من كبار العاملين معه، اعتقادا منهم أن الرئيس مستعدٌ لتفهم الأبعاد المختلقة للأمور. وقد نتساءل ويتساءل غيرنا هل أراد ترامب وقف الجدل معه من خلال عسكرة الإدارة الأمريكية ورفع شأن العسكريين فى إدارة السياسة الخارجية والبيت الأبيض والأمن القومى معا؟ إن مثل هذا التوجه لم يجر عليه العرف فى الولايات المتحدة حتى بين أوساط الرؤساء العسكريين مثال الرئيس أيزنهاور وغيره، حيث كان أغلب المساعدين من المدنيين ورجال الأعمال وأساتذة الجامعات. ويطرح السؤال نفسه، هل ترامب مقتنعٌ فعلا بأن العسكريين يتفوقون على غيرهم من المدنيين فى الإدارة والكفاءة؟ أم على نحو ما يشاع بين معارضيه من أن الرئيس ترامب يريد إحكام المعارضة ولذا يميل إلى تعيين العسكريين؟ ويرجح الكثيرون أن الرئيس الأمريكى سوف يعمل فى الفترة القادمة على إرساء قواعده الجديدة بحسم والتعامل مع الولايات المتحدة وكأنها إحدى شركاته الخاصة.

بيْد أن ما نشاهده اليوم من استمرار وقوف ناخبى ترامب وراءه دون تردد وعدم تمرد الكونجرس عليه حتى الآن بل ومجاراته فى قراراته، يثير الدهشة لدى الكثيرين على الصعيدين الداخلى والدولى. فما زال الكثيرون فى الولايات المتحدة مقتنعين تماما من أن ترامب هو الرئيس القوى الذى يرفض فلسفة الحزب الديمقراطى المائعة المفحمة بالتنازلات والحلول الوسط متغاضية بذلك عن التفوق الأمريكى كقوة عظمى منفردة. وأن ما يطالب به ترامب بالنسبة لأمريكا أولا ليس سوى حقها الأزلى، حقها فى أن تقود وحقها فى أن تبسط نفوذها وقيمها على العالم بما لها من قوة سواء كانت قوة ناعمة أو قوة عسكرية.
ويبدو أن عسكرة ترامب ليس قاصرة على العاملين معه أو حتى المقربين له، بل إن قراراته هى الأخرى أصبح يغلب عليها الطابع العسكرى غير القابل للنقاش. وعلى الرغم من تكاثر مثل هذه القرارات، فإننا سنخص هذا المقال لمناقشة قراره الأخير بالنسبة لرفع التعريفة الجمركية التى حدت بكبير مستشاريه الاقتصاديين وأحد المقربين له إلى الاستقالة، لقناعة الأخير بأن مثل هذا القرار ليس فى مصلحة الولايات المتحدة بل إن القرار يحمل فى طياته كثيرا من المخاطر التى قد يكون لها مردود عكسى على الاقتصاد الأمريكى بل والاقتصاد الدولى ككل، ما قد يدفع الدول إلى حرب تجارية لا يمكن لنا التنبؤ بتداعياتها. ولم يأبه ترامب بتهديدات الصين أو أوروبا بالرد بالمثل على ما يستهدفه ترامب من حماية للاقتصاد الأمريكى على حسابها وحساب شعوبها، بل رحب بالحرب التجارية وأكد أنه قادر على خوضها.
***
وحتى يتسنى لنا وضع مثل هذا الإجراء فى نصابه الصحيح، يتعين علينا أن نُذكّر أن الولايات المتحدة لم تُقدم على رفع التعريفة الجمركية على وارداتها فى تاريخها، الذى يمتد إلى مائتين وخمسين عاما، سوى ثلاث مرات معدودة. كانت أولى هذه المرات إبان الكساد العالمى، حين قام الرئيس هوفر بزيادة التعريفة الجمركية على أكثر من عشرين ألف سلعة وهو ما وصفه هنرى فورد آنذاك مؤسس شركة فورد للسيارات بالغباء الاقتصادى. وغنى عن البيان ما أداه هذا الإجراء من حرب تجارية شعواء بين الدول التجارية والمعروفة بسياسات إفقار الجار التى لم ينج منها أحد والتى أدت إلى تفاقم الكساد العالمى وإطالة فترته لأكثر من عشر سنوات.

أمّا المرة الثانية فكانت خلال فترة نيكسون عام 1971 وما آل إليه الاقتصاد الأمريكى من ضعف نتيجة لزيادة الإنفاق على حرب فيتنام، فما كان لنيكسون سوى وقف تحويل الدولار إلى ذهب ورفع التعريفة الجمركية بنسبة عشرة فى المائة على بعض السلع المحدودة بشكل منفرد دون سبق تشاور مع الدول الحليفة فى إطار الاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة والمعروفة باسم الجات، وهو ما كان محل انتقادات مشددة، باعتبار أن الولايات المتحدة تنتهك النظام والقواعد الدولية التى قامت بإرسائها. وقام الرئيس نيكسون بسحب هذا الإجراء بعد أربعة أشهر من إقراره.
ويأتى قرار ترامب برفع التعريفة الجمركية على الصلب والألومنيوم فى خضم المنافسة التى يمر بها الاقتصاد الأمريكى فى مواجهة اقتصادات الصين وأوروبا والدول الصاعدة. غير أن ما يثير الدهشة أن ترامب لم يستند إلى حجة اقتصادية لاتخاذ مثل هذا القرار، خاصة أن الاقتصاد الأمريكى يسترد عافيته ويشهد تراجعا فى نسب البطالة. هذا، ويشكك العديد من الشركاء التجاريين فى استخدام حجة الأمن القومى للتدابير التجارية الأحادية، ما يوحى بأن ذلك يمكن أن يشكل سابقة خطيرة فى السياسات التجارية وتهديدا أساسيا لولاية المنظمة العالمية للتجارة، التى كانت الولايات المتحدة أولى الدافعين لها والمدافعين عنها. بل إن ما يزيد الطين بلة، هو أن إدارة ترامب سارعت فى فتح قنوات للحوار مع كل من أستراليا، البرازيل، الاتحاد الأوربى، كندا، المكسيك وكوريا الجنوبية باستثناء الصين بُغية التوصل معها إلى حلول وسط بعد أن وجهت لها جميعها اتهامات بإغراق السوق الأمريكية وتهديدها للأمن القومى.

وهذا التمييز ضد الصين يعتبر منافيا تماما لقواعد المنظمة العالمية للتجارة التى تفرض من بين مبادئها الأساسية عدم التمييز. وفى سياق متصل، تقدمت الصين بطلب إجراء مشاورات بموجب اتفاقية المنظمة العالمية للتجارة بشأن الإجراءات الأمريكية برفع التعريفة الجمركية، ويمكن لهذه المشاورات التحول إلى نزاع تجارى فى إطار المنظمة. وفى طلبها أوضحت الصين أن الإجراء الأمريكى لا يمكن اعتباره إجراء أمن وطنى بل هو إجراء وقاية لحماية الصناعة الوطنية، وهو من ثم يتعارض مع قواعد المنظمة المتفق عليها والتى تحول دون اتخاذ إجراءات حماية فردية، بالإضافة إلى أنه إجراء تمييزى ضدها. وتطالب الصين من خلال التشاور مع الولايات المتحدة بحث سبل التعويض المحتملة، استنادا إلى قواعد المنظمة التى تسمح للأعضاء بصفة استثنائية بفرض ضمانات طالما أنهم يعوضون الدول المصدّرة التى سوف تتأثر سلبا نتيجة لمثل هذه الضمانات.
***
وينتقد الاتحاد الأوروبى الاستراتيجية الأمريكية على أساس أنها نهج خاطئ لمشكلة حقيقية تتطلب إجراءات جذرية وعميقة وليس من بينها رفع التعريفة الجمركية على الواردات من الصلب والألومنيوم. ويخطئ الرئيس الأمريكى وإدارته فى الاعتقاد أن حماية هذين القطاعين هو بمثابة العلاج المناسب للمشاكل الحقيقية التى تعترى الاقتصاد الأمريكى، والتى تكمن بصفة أساسية فى دور وقيمة الدولار كعملة الاحتياط الأساسية.
وجاء فى مقال نشرته صحيفة الـWall Street مؤخرا أشارت فيه أن وضع الدولار كعملة للاحتياطى يتحمل هو الآخر عبء مسئولية عجز ميزان المدفوعات الأمريكى. فارتفاع الطلب العالمى على الدولار كعملة للاحتياطى يؤدى إلى دعم قوة الدولار بشكل مصطنع. وهذا بدوره يعنى تضخم العجز التجارى للولايات المتحدة بما يؤديه من رفع سعر الصادرات الأمريكية وخفض سعر وارداتها مقارنة بعملات الدول الأخرى وبغض النظر عن الممارسات التجارية. وعليه، فإذا لم تعد الولايات المتحدة قادرة على أداء الدور الذى منحته لنفسها منذ الحرب العالمية الثانية، ألا وهو تمويل العالم بما يلزمه من سيولة نقدية، فإنه يتعين على الولايات المتحدة التراجع عن قصر هذا الدور عليها بشكل متعاظم ودعوة العملات الرئيسية الأخرى، بدءًا من اليورو، لمعاونتها.

ويستطرد كاتب المقال قائلا: إذا كانت الولايات المتحدة قد وصلت إلى نهاية المطاف وهى غير راغبة أو غير قادرة على التكفل بالطلب العالمى على الدولار نتيجة لتفاقم عجزها التجارى، فإن الإصلاح النقدى الدولى هو الحل وليس انتهاك قواعد النظام التجارى الدولى بشكل منفرد. كما أن الإصلاح النقدى المنشود يتطلب اتفاق العالم على عملة احتياط دولية، على نحو ما سبق أن طالب به الاقتصادى البريطانى المخضرم كينز فى أعقاب الحرب العالمية الثانية. وسواء ما ناشده كينز من مقترحات أو بعده من الاقتصاديين بضرورة الإصلاح النقدى، فإن هذا لم يلق قط صدى لدى الولايات المتحدة حينئذ، كما أن الولايات المتحدة ستظل تقاومه بكل ما أوتيت لها من قوة. بيْد أنه من المعلوم أن تنازل الولايات المتحدة عن دورها بالانفراد فى تمويل السيولة الدولية بعملتها من شأنه أن يجعل السلع والخدمات الأمريكية أكثر تنافسية، بما يساعد على ازدهار الصناعة الأمريكية من جديد ويعمل على تشغيل ملايين من العمال الأمريكيين.

مدير مركز الأمير الوليد بن طلال للدراسات الأمريكية والبحوث بالجامعة الأمريكية
الاقتباس
يأتى قرار ترامب برفع التعريفة الجمركية على الصلب والألومنيوم فى خضم المنافسة التى يمر بها الاقتصاد الأمريكى فى مواجهة اقتصادات الصين وأوروبا والدول الصاعدة. غير أن ما يثير الدهشة أن ترامب لم يستند إلى حجة اقتصادية لاتخاذ مثل هذا القرار، خاصة أن الاقتصاد الأمريكى يسترد عافيته ويشهد تراجعا فى نسب البطالة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved