«ستاشر».. جيل «السعفة الذهبية» الأكثر شغفا بالسينما

خالد محمود
خالد محمود

آخر تحديث: الأربعاء 4 نوفمبر 2020 - 9:45 م بتوقيت القاهرة

دون شك يأتى فوز الفيلم المصرى «ستاشر: أخشى أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، بجائزة السعفة الذهبية للفيلم القصير فى مهرجان كان السينمائى، وكذلك جائزة نجمة الجونة الذهبية كأفضل فيلم عربى قصير، ومن قبلها أفضل فيلم روائى قصير من مهرجان موسكو السينمائى الدولى، مؤشرا كبيرا لحيوية جيل جديد من السينمائيين الشباب فى مصر، يحلم بالتميز والاختلاف وهو ما تؤكده أيضا إدارة المهرجان الفرنسى، بعد أن شارك عدد من صناع الأفلام ممن ينتمون لهذا الجيل فى الاختيار الرسمى لـ«كان»، فى السنوات الأخيرة، ونتذكر أنه قد تم اختيار فيلم «سعاد» للمخرجة أيتن أمين ضمن الاختيار الرسمى بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة لدورة المهرجان هذا العام والتى فرضت ظروف جائحة كورونا تأجيلها، وربما لو أقيمت لكان من الممكن أن يتوج هو الآخر ليصبح عام السينما المصرية.
سامح علاء «30 عاما» أحد الذين يفكرون ويحلمون خارج السياق، حتى وإن أثار الفيلم عددا من التساؤلات حول ماهيته وفكره وقصته، وفلسفة رؤيته فى الطرح، والسيناريو الكاشف مضامين عميقة دون إجابات صريحة كان المشاهد ينتظرها.
والواقع أن السينما الدهشة هى التى تضع يدها على موضع الجرح ومن ثم تطرح السؤال، فالصورة أعمق بكثير من الوقوف أمام تفسيرات صريحة أو أسلوب مباشر، وعلى المتلقى أن يفكر بشكل موازٍ مع ما يشاهده وفى هذا الفيلم اكتفى مخرجنا الواعد بالصورة التى توحى بالعديد من الأشياء التى تعمق من فكرته لمجتمع شخصياته معتمدا على تكثيف الدراما بالصورة وسلوك أبطاله وحكى من خلال تكويناته قصة مركبة بتلقائية وبساطة وتعبيرات أبلغ من كل شىء.
تناول الفيلم الذى تبلغ مدته 15 دقيقة قصة آدم «16 عاما»، الذى يجسده «سيف الدين حميدة» ومأزق فراقه عن حبيبته نوران أحمد لمدة 82 يوما، وهو مستعد لفعل أى شىء للعودة إليها مهما تطلب الأمر؛ حيث يواجه العديد من التحديات والمفاجآت فى الطريق.
الحبكة جاءت ثرية بعدم لجوئها لكشف تفاصيل فى السرد، ففى البداية يتلقى آدم الذى ينتمى لبيئة اجتماعية متواضعة، مكالمة على تليفونه المحمول من حبيبته تخبره فيها بصوت دافئ حزين مسكين بأنها وحشته، بعد أن أخذت التليفون خلسة من أمها، وأنها تنتظر منه طريقة للهروب سويا والتحرر من الأسر العائلى المحيطة به، ثم يرتمى على أريكة يفكر بعمق ماذا سأفعل، يرى أمه بالمنزل وهى ترتدى الحجاب لتخبره بأنها سوف تخرج قائلة «سلام»، ونراه يبحث فى غسالة قديمة ليخرج منها جلباب حريمى ونقاب وقفاز يرتديه ويتخفى به وكأنه عقد العزم على الذهاب لمشاهدة حبيبته فى منزلها فى محاولة مستميتة ويتجول صامتا فى رحلة فى شوارع المدينة، وبالتحديد فى حى السكاكينى ويبدأ بشكل تشويقى بركوب الأتوبيس المزدحم بالناس، وتتطور المشاعر مع الأحداث التى سردها كاتبا سيناريو سامح علاء ومحمد فوزى لندرك حقيقة ما يحدث، بالتقاط بعض التفاصيل عندما يصل إلى بيتها وهى أن حبيبته ماتت أو انتحرت لم يظهر العمل، وهنا يجد نفسه وسط مجموعة من السيدات يرتدين الأسود حزنا، ثم يدخل غرفتها ونجدها ملقاة على سريرها، وينظر إلى وجهها قبل أن تدفن، ويقبل جبينها بعد أن ظل جالسا أمام جثتها عدة ثوانٍ، فى انتظار سيارة نقلها إلى مدفنها وكأنه يلقى نظرة وداعه الأخيرة، وتوحى نظرته باستجداء عودة الزمن، وماذا لو سمع صوت قلبهما من قبل ولم يستسلما لقدرهما.
عنوان الفيلم مؤثر للغاية ويوحى بالكثير، فالشاب الذى لم ير حبيبته منذ فترة يخشى أن ينسى ملامحها التى تغيرت بنمو الزمن، والواقع أن المخرج ببعض التفاصيل، يبدو أنه يركز على تلك الفئة العمرية «16 عاما»، يحاول الخوض فى حياتهم والتعرف على مشاعرهم وأفكارهم وطبيعة علاقاتهم الإنسانية ونقلها من خلال صورته السينمائية التى لجأ إليها، مع تجسيد واقعها الاجتماعى عبر تصويره فى أماكنه الحقيقة.
كان هناك توفيق كبير فى اختيار الممثل سيف حميدة الذى لم يمثل من قبل؛ حيث بدت البراءة على وجهه ليؤكد عنصر الدهشة، وتصرفه التلقائى الذى أفرز حبكة درامية متقنة، بينما وقف البعض عند لجوئه لارتداء النقاب وما إذا كان له معانٍ أخرى غير كونه وسيلة لرؤية حبيبته، مثل أنه يوحى للمشاهد فى الطرف الآخر من العالم، أنه رمز ووسيلة التحايل لفعل أى شىء سرا وبالتالى فسيبقى دائما مصدرا للاختراق، حتى لو كان من أجل مهمة عاطفية.
أعتقد أن الرهان الحقيقى للمخرج كان على قوة القصة وقدرته على إيصال المشاعر التى يحاول المجتمع كبتها.
دون شك تأثر هذا الجيل بيوسف شاهين ورحلته الملهمة، وهو يحتاج لدعم دائم ليواصل المشوار، وقد بات دعم الأفلام القصيرة أمرا حيويا وذات أهمية كبيرة فى مختلف أنحاء العالم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved